436

كلاهما واجب الرعاية، واعتبار أحدهما ينافي اعتبار الآخر، وهما: احترام ارادة العاقد، واستقرار التعامل.

- فاحترام إرادة العاقد يستلزم أن نعتبر إرادة العاقد الحقيقية التي نطوي عليها ضميره. فإذا جاء في تعبيره (وهو الأرادة الظاهرة) غلط فكانت هذه الارادة الظاهرة من العاقد مختلفة عن إرادته الباطنة الحقيقية المتفقة مع تصوره وتوهمه وجب عندئذ أن تعتبر إرادته غير سليمة، وأن فسح له مجال إبطال العقد. هذا ما يستلزمه مبدأ احترام إرادة العاقد لو أنه انفرد في الميدان.

ب - ولكن هناك مصلحة عامة في ميدان التعامل تستلزم عكس ذلك تماما، وهي مصلحة استقرار التعامل.

ومعنى استقرار التعامل أن تكون تصرفات الإرادة التي يتعامل فيها الناس بعضهم مع بعض بطريق التعاقد الرضائي ذات نتائج ثابتة غير معرضة لانتقاض بأسباب يجهلها المتعاقد وليس هو المقصر في اجتنابها، وذلك لكي يستطيع أن يبني أموره على نتائج معاملاته وهو مطمئن إلى استقرارها وعلى ثقة بثباتها. فهذا النظر إلى مصلحة استقرار التعامل يقتضي اعتماد الارادة الظاهرة من الإيجاب والقبول، وأن لا يكون لغلط أحد العاقدين تأثير في قوة هذا الارتباط العقدي لأن العاقد الآخر يتعذر عليه معرفة غلط رفيقه ما لم تدل عليه دلائل واضحة. وكل عقد يمكن أن يكون أحد عاقديه غالطا في ناحية منه، فإذا ساغ له إبطال عقده بسبب الغلط كان ذلك مفاجاة لعاقد الآخر، فينتفي اطمئنان كل عاقد إلى نتائج عقده لاحتمال أن يكون رفيقه واقعا في غلط.

لذلك، وترجيحا لمصلحة استقرار التعامل، لم يهتم الفقه الإسلامي كثيرا بالغلط في العقد كما اهتم الفقه الأجنبي، ولم يفرد فقهاء الإسلام نظرية الغلط ببحث يصوغها صياغة مستقلة كما صاغوا نظرية الاكراه، لأن الفقه الإسلامي يعتمد الإرادة الظاهرة (الأيجاب والقبول) أساسا في بناءا

صفحه ۴۷۳