مدخل فقهی
المدخل الفقهي العام
ناشر
دار القلم
ب - وأما إذا كان هدف الخلابة خداع العاقد المخلوب في صفة المعقود عليه، كإيهامه بالجودة أو بأي وصف آخر، فإنها تعيب الرضا وتسوغ إبطال العقد، ولو لم يصحبها غبن في السعر، كما في الشاة المصراة إذا بيعت بثمن لا يزيد عن قيمتها غير لبون، وكالفاكهة الموجهة إذا بيعت بثمن لا يزيد عن سعر الرديء الذي تحت وجهها الجيد، لما تقدم من أن العاقد المخلوب قد يكون مقصوده الصفة الموهم بها، ففواتها يوجب له الخيار. (ر: المغني والشرح الكبير 69/4، 80، 90، 113، ورد المحتار 96/4، 131، 155)(1) .
كم الغبن المجرد ومستثنياته /35 - يتضح مما تقدم أن الغبن الفاحش وحده في العقود لا يعيب الرضا ما لم يصاحبه شيء من الخلابة. وعلى هذا استقرت معظم الاجتهادات . ذلك لأن الغبن المجرد عن كل خديعة لا يدل إلا على تقصير العاقد المغبون في تحري الأسعار ومعرفة حد البدل العادل؛ ولا يدل على مكر من العاقد الآخر. ولكل إنسان أن يطلب المزيد من المنفعة بالطريق الحر المشروع دون غش واحتيال، ما لم يضر بالجماعة، فحينيذ يحد من حريته وتحدد منفعته، كما في حال احتكار المواد الضرورية وحالة تحكم
الخلابة بمعناها الذي تقدم شرحه، وبصورها المختلفة، يقابلها تماما في الفقه الأجنبي باللغة الفرنجية لفظ: (461ه1) ويترجمها القانونيون العرب في مصر بكلمة (التدليس) .
والتدليس كلمة استعملها فقهاء الإسلام قديما في المذاهب الثلاثة : المالكي، والشافعي، والحنبلي، تارة بهذا المعنى تماما كما فعل القانونيون المعاصرون، وتار بمعنى كتمان البائع عيبا خفيا في المبيع، وهو المعنى الأصلي للتدليس .
وقد رجحنا هنا استعمال لفظ "الخلابة" لأنه أدل على معنى الخديعة المقصودة هنا، ولأنه ورد كما رأيت في الحديث النبوي الذي احتج به جميع فقهاء المذاهب، وهو النص التشريعي في الموضوع نفسه. فأصبح لفظ التدليس مقصورا على معناه الأصلي، وهو كتمان عيب المبيع، فيكون تدليس العيب في المبيع ونحوه صورة من صور الخلابة بمعناها العام.
صفحه ۴۶۸