ماثر سلطانیه
المآثر السلطانية
والخلاصة أنه فى خلال مدة الشهرين، التى كانت بداية [ص 351] تحرك الراية المطرزة بالظفر من بلدة خوى وانتهائها بالرحلة والسفر فى الثانى عشر من شهر صفر، قد سيطر على المدن والضواحى وأفواج الأعداء المصابة والقتلى والأقسام المفتوحة، وقد دخلت مدينة وضواحى بايزيد والشكرد وديادين وملاذكرد وبتليس ومير وأخلاط وعاد لجواز وأرجيش وخنوس ومعها جميع التوابع والطوائف والقرى والرعايا تحت منطقة السيطرة ودائرة النفوذ. والمكان الذى بقى كان قلعة" وان" نفسها حيث إن ذلك المكان أيضا سوف يضبط على نحو قرار تعهد سليم باشا. وغير الغنائم والأموال الكثيرة التى وقعت فى أيدى الجنود، انضمت من جميع النواحى ما يقدر بثمان وأربعين عربة مدفع إلى مدفعية الركاب، وقد أنهى جمع من جيش ملجأ الظفر، الذين كانوا مكلفين قبل هذا بالاستيلاء على ألوية حكارى الثمانية عشر، فى هذه الأوقات خدماتهم، وأصبحت هذه الألوية المذكورة أيضا ضمن الممالك السلطانية المحروسة. وفى الوقت المقرون بالسعادة والمؤيد بالطالع المتزايد يوما بعد يوم، والذى جزم فيه النواب نائب السلطنة العزم على هذا السفر، كان قد مضى وقت قيادة الجيش وتعبئة الجنود، وكان السحاب الخريفى قد أسدل الستائر على وجه الفلك الدخانى، وكانت شمس العالم قد وضعت حرارتها وأشعتها فى كفة الميزان مثل يوسف الكنعانى «1» وفى ممالك أذربيجان والولايات الرومية (العثمانية) كانت بداية برودة الجو ووقت ظهور صولة البرد وخاصة فى الولايات المذكورة إلى درجة أن الجو الحار الموجود فى منتصف الصيف (قلب الأسد) تكون برودة ذلك المكان فوق طاقة المسافرين ولا يمكنهم الحياة دون معطف ونيران. وساحة تلك الولاية فى أغلب الأوقات فى فصل الثور والجوزاء وحتى العقرب والقوس لا تكون دون برد وعواصف ثلجية. وبالرغم من أن مساحة تلك المملكة، التى تعود الجيش الذى هو فى عدد النمل وقوة الثعابين الإغارة عليها، وقد أخضع أطراف ولاياتها بأقدام الاقتحام وفتح قلاعها وخطف كرة الظفر من يد الأعداء وأضاف لشهرته وصيته بسبب إظهاره للجلادة، واقعة أغلبها فى ناحية جبال آخسقه واللاز وممتلئة بالبحر الأسود [ص 352] وتتصل بالمواقع الخاضعة للروس وأصل ممالك تلك الطائفة وهى فى الواقع إقليم يعتبر (يعد) وسط الممالك الرومية (العثمانية) وهى خاضعة لقوة نفوذ وسيطرة الدولة العثمانية، وتضم طوائف الأكراد والعجم ومشهورة فى العالم بالفروسية والقوة والتسلح بالرمح والقيام بالحملات الهجومية واستعمال المدافع والبنادق. وهى أقرب إقليم إلى إسلامبول وجيش الروم بسيوفها الحادة وحرابها المدببة فعيون الترك والتاجيك سوداء من حملات أهلها البطولية ومن بداية تراب بايزيد وحتى كل الأماكن التى وصلت إليها حوافر خيول أبطال إيران والجنود والمدفعيون الناثرون للنيران، كانت من منزل إلى منزل مليئة بالقلاع المحكمة والحصون المشيدة بالصخور وكان يوجد فى كل واحدة من هذه القلاع المدفعية وترسانة الأسلحة والتجهيزات القديمة والحديثة الزائدة عن الحد والنهاية وكان الاستيلاء عليها منحصرا فى حصارها لفترات طويلة والتضييق عليها بالقحط والغلاء والحرب والقتال. فعلى سبيل المثال، لو أنه فى كل واحدة من هذه القلاع الصعبة، التى ترفع رأسها إلى فلك الروج بالحجارة والرصاص والجير، كان مدفعيو الجيش المظفر يضربون برجا من بروجها بعدة مدفعية محطمة للصخور ، لم تكن تنشق منها فجوة وثقب ولم تكن تتزلزل أركانها أو تتحرك من مكانها.
وكان سليم باشا أحد حكام وباشوات هذه المملكة والذى لم يكن يقرأ من كتاب السلام وحسن السلوك سوى الحرب والنزاع، ولم يكن يكرر من تعلم (دراسة) الصلاح والفلاح سوى درس الفتنة والقتال، وكان مستعدا ومتجهزا بأكثر من عشرين ألفا من المشاة والفرسان، وكان مستظلا تحت راية الاستقلال والنفوذ. وكذلك الباشوات وقادة العسكر الآخرون لووا رءوسهم بالعناد واللجاج وعدم الطاعة بسبب غرورهم وحيث كان لهم ذلك القدر من الجيوش الجرارة والاستعدادت والتجهيزات القتالية، بحيث لم يكن جميع معسكر النواب نائب السلطنة بخيله وحشمه، الذى كان قد حركه بغرض هذه الفتوحات وكان يظهر التمنى لهذه الغارة، عشرة فى المائة من حيث العدد والعدة إلى جانب وجوار استعداداتهم. وبقوة التأييد الإلهى ويمن الطالع المنتصر للمطالع السلطانية [ص 353] وجه نائب السلطنة همته إلى كل ناحية، ففتح المجاهدون المظفرون والمنصورن كل ناحية والتى وجهوا عنانهم إليها وقهروا أعداءهم ودمروهم.
صفحه ۳۸۸