ماثر سلطانیه
المآثر السلطانية
وفى فترة الشهرين ومع نزول البرد والصقيع والأمطار وقسوة البرودة الشديدة وطئ دون تفكير خوف وخطر كل ناحية فى بلاد الروم تحت نعل الدواب. فتيسرت بالاقتحام مواكب الفتح. وعلى مدى عشرين يوما من الرحلة والسفر، نهب وحرق الملك الأجنبى واشتعلت نيران النهب والغارة فى أهالى البلاد البعيدة عنهم، وانضافت القلاع المحكمة، التى كان يسكن بعضها عشرون وعشرة آلاف أسرة، ضمن الولايات والأراضى الأخرى إلى الممالك (الإيرانية) المحروسة. واستظلت عدة قرى ونواح وعشائر وطوائف تحت ظل راية الجلال، وانشغل كل واحد من عظماء وباشوات تلك المناطق بعمل الطاعة والخدمة وتم اختيار عشرة آلاف فارس تحت الخدمة والطاعة من كل طائفة كانت مستقرة فى تلك الحدود. وبحيث كان كل فرد منهم معه ما يعادل مائة تومان تقريبا، والحصان والأدوات والملابس والأسلحة والمؤن. وهزموا بالجيش القليل الجيش الكثير، وقد صار أقل مجند حديث صاحب مال وحشم من أموالهم، وقد دمروا موقعين من الشكرد وحتى مسافة ثلاثة فراسخ من ديار بكر، أحرقوها وأشعلوا فيها نيران النهب والغارة. وكان قد عين على جميع الجهات فى تلك الحدود عربتى مدفع وعشرة آلاف من الفرسان والمشاة. وبلا شك كان يوجد فى كل واحدة من قرى تلك الديار عشرون ألفا من المشاة والفرسان الجرارة بالحراب النافذة والمدفعية المحملة بالنيران وسائر معدات المعركة والقتال، وكان مدفعيوها مدربين على القذف بالمدافع كآثار البرق والفرسان العرب الماهرين فى المعركة والمجاهدون الأكراد والألوار وهم فرسان حلبة ومضمار الافتخار، يلقون إعجاب أعين ومصابيح فرسان إيران، وكانوا يستصعبون هزيمة مائة فارس منهم بمائتى فارس فى ميدان المعركة. وبالرغم من ذلك وبالتأييد من الرب المجيد وبقوة الطالع والحظ السعيد، صار الجيش القليل صاحب الوضع عن الجيش الكبير، [ص 354] وحصلوا على ذلك القدر من الأسرى، حيث زاد عدد الأسرى المحبوسين على عدد الجيش المأنوس بالنصر. ولو كانوا ينفذون حكم القتل العام طبقا لقاعدة جيش المغول فى حشر مرو ونيسابور لوصل أن يقتل الفرد الواحد من الجيش المنصور عشرين فردا من الأسرى. ولكن النواب نائب السلطنة، الذى سيطر فى هذه الرحلة على تلك الممالك، قد غرس بذور المحبة والإخلاص فى القلوب، وجذب قلب الوضيع والشريف، وحيث اعتبر كل أهالى الروم وعقلاء تلك المناطق والأراضى أن سيطرة وبسط نفوذ الدولة الخالدة هى من أنواع نعم ومراحم الخالق لهم، وأقروا واعترفوا بذلك:" لم نكن قد رأينا مطلقا من الدولة العثمانية مثل هذا النوع من الإحسان والإكرام وفراغ البال والراحة". وقد صار كل واحد من المجاهدين مصدرا للخدمة فى هذه الرحلة والتى لم تتيسر لهم فى أية رحلة مطلقا. ووصلوا إلى مال وثروة لم تكن تخطر ببال أحد. ولم يكن يرضى أى أحد من الغلمان مريدى الدولة وعبيد الإرادة بتحريك رايات النصر فى فصل الخريف والرياح والبرد والجليد هذا وفى الأمر نفسه أيضا ومثلما كان ولم يكن يصدق بالمصلحة. وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم «1» ولكن الألطاف الإلهية الخفية والعطية الكبرى لكبرياء وقوة إقبال فاتح العالم هى الأمر الفاصل الذى يوصل الفهم الإنسانى إلى كنتها ولا تستوعبه فى صندوق أوهام الخلائق .
وإنما هو أمر موقوف على العون والفضل والحال. وقد قال رأى حال العقل والنقل المتأخر: [بيتين ترجمتهما]
عندما يطمئن الرجل على علمه ... يزجى وقته فيما لا طائل فيه بعين عدوه
ولا ينفعه العراف ولا المتنبئ ... فلا ينفعه المرشد ولا المنجم
والخلاصة، أن نائب السلطنة كان يوصل إلى أهالى كل مدينة قسما من الإحسان والإنعام الذى كان يصبح أساس حيرة الجميع وباعثا على رغبة الرعية ورضا الصغير والكبير فى تلك الولاية، وعلى الخصوص فى أوقات قراءة الخطبة التى كانت تذكر اسم الهمايون صاحب الجلالة السلطانية حيث كان قد أوجب على نفسه أن يرتدى السامع والحاضر الخلعة ويذوق الطعام الحلو من بركة ذلك الاسم الميمون العاقبة [ص 355] وفى ذلك اليوم صار جميع الأعيان والأشراف والنجباء والخطباء والفضلاء والزعماء والرؤساء والفقراء وحتى خدام المساجد موضع الخلعة والإنعام والتصدق ومد موائد الطعام والخيرات. وقد صدر الحكم المحكم بأن يستردوا كل شى ء وأفراد الأسرى من الأمراء والحكام والجيش المنصور، الذين كانوا قد أحضروهم، ويردوهم إلى أصحابهم ولم يبق لأى شخص أسير تحت الحراسة. وقد قسم الأموال والدواب على فرسان الجيش، والخمس من الغنائم على الجند والمدفعيين الذين لم يذهبوا إلى الإغارة.
ولم يأخذ لنفسه شيئا من كل هذه الغنائم والمكاسب التى لا تعد ولا تحصى، وكان يشترى حلى خيول المدفعية، التى كانت قد هلكت فى أثناء المعركة، بسعر أعلى. وفى وضع قيادة الجيش وتوجيهه والإنعام عليه، وحيث كان قد تعهد فى هذا السفر كل أمير وقائد بذلك، فقد كان يساوى فى سلوكه مع جميع الخلائق. ومثلما كان جميع الأبطال وأفراد الجيش المقترن بالنصر يعيشون وقت الأمطار والجليد فى خيمة بلا غطاء، كان نائب السلطنة أيضا قد حرم على نفسه الخيمة المغطاة والمشمع والسرير فى نومه وراحته، وكان يقرع الطبول فى الخيمة مباشرة، وكان ينام مثل سائر الجنود مفترشا الأرض.
صفحه ۳۹۰