574

ولكم في القصاص حياة

[البقرة: 179]، فالإحياء هنا معناه الاستبقاء كما هو المعنى في الآيتين، ثم قال: { ويريكم آياته } بما يفصل بها في الخصومات ويزيل من أسباب الفتن والعداوات، فهو كقوله تعالى:

إنآ أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بمآ أراك الله

[النساء: 105]، وأكثر ما يستعمل هذا التعبير في آيات الله في خلقه الدالة على صدق رسله.

وهذا التفسير بعيد عن الواقع ومجانب لمدلول القصة حسب نصها القرآني، فإن الفارق واضح جدا بين قوله تعالى : { كذلك يحيي الله الموتى } ، وقوله: { ولكم في القصاص حياة } ، ففي الأول نص على أن ذلك كان إحياء بعد موت بخلاف الثاني.

وذكر المفسرون أن القاتل أخذ بجريرته فقتل بعدما أخبر عنه الميت ولا يستفاد شيء من ذلك من نص الآية، ولم يستندوا فيه إلى دليل من السنة، ومثل هذه الأخبار لا يجوز الجزم فيها بشيء من غير توقيف، لذلك أرى عدم الخوض فيما قالوه، فإنه من المحتمل أن يكون الخصوم تراضوا في هذه القضية على ما دون القصاص.

واستدل المالكية بهذه القصة على أن قول المقتول قبيل وفاته " دمي عند فلان " أو " فلان قتلني " لوث تترتب عليه القسامة، وهو - لو سلم له - مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو ضعيف، على أن الآية لم تشر إلى القسامة من قريب ولا من بعيد، كما أنها لم تشر إلى مصير القاتل بعد حياة القتيل، ومما يوهن هذا الاستدلال أن هذه النازلة خارجة عن المألوف فلا يقاس عليها، فإن حياة الميت بعد قتله وتعيينه القاتل بقوله من خوارق العادات، فلا يحمل عليها قول أحد إثر طعنه " دمي عند فلان " أو " فلان قتلني " لاحتماله الصدق والكذب، ولكونه دعوى لم يقم عليها دليل، وإذا كانت الدعاوى الفارغة من البينات لا تقبل من المال ولو كان دانقا، فكيف تقبل في الدماء؟ والأنفس أغلى من الأموال.

أما قول ابن العربي - منتصرا لمذهب مالك - " المعجزة كانت في إحيائه، فلما صار حيا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد " فهو مردود للفرق بين الحالين، فإن العبد ما لم يفارق الحياة المألوفة لا ينفك عن التكليف، فإذا أحيي من بعد حياة أخرى - كحياة قتيل بني اسرائيل - لم يكن من التكليف في شيء لأنها حياة ما أراد الله بها إلا بيان الواقع.

وقد عنى كل من قطب الأئمة في " هيميان الزاد " والقرطبي في تفسيره " الجامع لأحكام القرآن " بشرح أحكام القسامة في هذا الموضع، وهو ما لا أجد داعيا إليه، إذ لا مناسبة بينها وبين الآية الكريمة لعدم تعرضها لها بشيء، ومثل ذلك التعرض لعدم ميراث القاتل من المقتول، فإن حكم ذلك لا يستفاد من الآية، وإنما يستفاد من الأحاديث الصحيحة الناصة عليه.

واستدل القرطبي بقصة البقرة هذه على أن شرع من قبلنا شرع لنا، وهو استدلال لا وجه له، بل الأقرب أن تكون دليلا على خلاف هذا المذهب، إذ لو كنا مخاطبين بما نص عليه في القرآن من شرائع الأنبياء السابقين وأحكامهم لكان علينا إذا تشاجر قوم في قتيل لم يعرف قاتله أن نأمرهم بذبح بقرة وأن يضربوه ببعضها كما في القصة، وهو ما لم يقله أحد حتى من المحسوبين على هذه الأمة فضلا عمن يعتد بقوله.

صفحه نامشخص