573

أدركتها قدام كل مدره

بالدفع عني درء كل عنجه

وحمل عليه قول السائب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: " كنت لا تماري ولا تدارئ، وأتبعه قوله: يعني بقوله لا تداري، لا تخالف رفيقك وشريكك، ولا تنازعه ولا تشاره.

وحاصل قوله: أن التدارؤ هو المعاوجة المصحوبة بالشقاق والنزاع وهو قريب من تفسيره بالتدافع، وذهب بعض أهل التفسير إلى أن هذا التدارؤ لم يكن قوليا فسحب بل كان تدافعا بالأيدي.

و " مخرج " بمعنى مظهر، وما كانو يكتمونه هو معرفتهم بالقاتل، فإن القتلة كانوا يعرفون أنفسهم، وكذلك الذين كانوا يشايعونهم على كتمان هذا السر، وإلقاء مسؤولية هذا الأمر على غيرهم.

أمر الله أن يضرب القتيل ببعض هذه البقرة المذبوحة فانبعثت فيه الحياة بأمر الله، وفي طي هذا الأمر حكمة باهرة إذ لو كان الضرب ببعض حي لربما توهم متوهم أن الحياة سرت إلى الميت من ذلك البعض المضروب به وهو حي، أما والبقرة نفسها لم تعد حية فلا مجال للتوهم أن الحياة سرت إلى القتيل من مماسته لعضو حي، وهو من دواعي الإيمان بأن من وراء الأسباب مسببها، وأن الأسباب لا تؤدي إلى مسبباتها إلا بتقدير من العزيز العليم الذي يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، واختلف في البعض الذي ضرب به على أقوال شتى، هل هو لسانها أو فخذها، أو البضعة التي بين كتفيها أو الغضروف الذي تحت أذنها أو عظم من عظامها أو غير ذلك؟ وهو خلاف مفقودة جدواه لأنه فيما لا يضر جهله ولا يفيد علمه، ولم يقم على شيء من هذه الأقوال دليل، وحسبنا أن نقف حيثما وقف بنا القرآن من الإجمال.

ولم أجد بين المفسرين القدامى والمحدثين خلافا في أن القتيل أحياه الله بهذه الضربة فعين قاتله ثم عاد إلى الموت، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: { كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته } ، اللهم إلا ما كان من صاحب المنار من ربط هذه القصة بما ذكرته من قبل عن التوراة فيما إذا وجد قتيل في أرض إسرائيلة ولم يعلم قاتله من لزوم ذبح أهل أقرب مدينة إلى موضع القتيل عجلة من البقرة...الخ.

وتفسيرها بما يتلاءم مع أذواق المفكرين المعاصرين الذين لا يؤمنون بخوارق العادات؛ وهاكم نص ما في المنار: " والظاهر مما قدمنا أن ذلك العمل كان وسيلة عندهم للفصل في الدماء عند التنازع في القاتل إذا وجد القتيل قرب بلد ولم يعرف قاتله ليعرف الجاني من غيره، فمن غسل يده، وفعل ما رسم لذلك في الشريعة برئ من الدم، ومن لم يفعل ثبتت عليه الجناية، ومعنى إحياء الموتى على هذا حفظ الدماء التي كانت عرضة لأن تسفك بسبب الخلاف في قتل تلك النفس، أي يحييها بمثل هذه الأحكام، وهذا الإحياء على حد قوله تعالى:

ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا

[المائدة: 32]، وقوله:

صفحه نامشخص