جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وقوله: { كذلك يحيي الله الموتى } تشبيه للإحياء بالإحياء، من حيث اتساع القدرة الإلهية لهما، وقيام البرهان من هذا الإحياء المقيد في الدنيا على إمكان الإحياء المطلق في الآخرة، ولا يعني ذلك أن الإحياء يكون في الآخرة بنفس هذه الكيفية التي كان بها في الدنيا، وأنه يترتب على هذه الأسباب المذكورة، وقد اقتضت حكمة الله عز وجل أن يكون إحياء هذا القتيل منوطا بهذه الأسباب، مع أنه تعالى قادر على إحيائه بدون سبب ذلك لأن الله أراد تعبدهم بهذه الأسباب، وعندما تلكأوا في امتثال أمره، وانتحلوا لذلك الأعذار التافهة شدد الله عليهم
جزآء وفاقا
[النبأ: 26].
وقد سمى الله هذه الآية آيات في قوله: { ويريكم آياته } لكثرة ما تدل عليه، فإنها دالة على قدرة الله تعالى على ما يشاء، وأن وراء الأسباب مسببها وأنه سبحانه محيط بكل شيء علما، فالقاتل ما كان يظن أن سريرته ستنكشف وجريرته ستظهر، وقد أبداها الله سبحانه لعلمه بجميع الخفايا، كما تدل على صحة نبوة موسى عليه السلام لأن الله أجراها على يديه، وعلى ثبوت المعاد الذي نبأ به المرسلون.
وهذا الخطاب يحتمل أن يكون من كلام موسى عليه السلام لقومه بعدما ظهرت لهم هذه الآية الباهرة، وأن يكون من كلام الله أوحاه الى موسى ليبلغه قومه، وهو الأظهر، والمخاطب على كلا الحالين بنو إسرائيل وشذ من قال إنه خطاب من الله للذين ينكرون البعث عندما أنزل الله القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، وهم مشركوا العرب، فإن السياق يأباه.
والمراد بقوله: { لعلكم تعقلون } لعلكم تتصرفون تصرف من يستفيد من عقله وينتفع بتجاربه.
وتوجيه الخطاب بقوله: { وإذ قتلتم نفسا } إلى بني إسرائيل المعاصرين لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما ذكرته من قبل من كونهم امتدادا لآبائهم الأقدمين أصحاب هذه القصة وما شاكلها فلذلك انصب عليهم التذكير والتقريع من قوله تعالى: { وإذ أنجيناكم من آل فرعون }.. وما بعده.
وقد علمتم مما سبق أن الجمهور يرون أن قصة القتل هذه هي جزء من القصة السابقة، وهي أمرهم بذبح بقرة، وإنما فائدة تقسيمها إلى ما يشبه القصتين المستقلين تكرار توبيخهم على أمرين وهما مماطلتهم في امتثال الأمر بذبح البقرة، وصدور القتل بغير حق منهم، ولو أدمجت القصتان في قصة لفات ما يفيده التكرار من زيادة تقريعهم، وقد سبق ذكر رأي الإمام ابن عاشور، وهو أنه يرى أنهما قصتان مستقلتان، وتجويز القرطبي لذلك، وجوزه أبو حيان أيضا.
وما قاله الجمهور أصح وأبين، ولا إشكال في مخالفة الترتيب الذكري للترتب الزمني، لأن الواو لمطلق الجمع، وقد يعطف بها السابق على اللاحق مراعاة للطائف بيانية، ومنها هنا أن الأمر بذبح البقرة من غير تقدم ذكر لأسبابه يشوق النفوس إلى الاطلاع على حكمته خصوصا عندما يرد ذلك في كلام الحق تعالى الذي لا يدانيه الباطل ولا يلابسه الهزل، ولا يحوم حوله الريب، فإذ أتبع ذلك ذكر سببه كانت النفوس أوعى للحكمة، وأفهم للمقصد.
[2.74]
صفحه نامشخص