570

أولهما: أن الجملة المعطوفة عليها منفية ولا تجتمع جملتان أولاهما مثبتة وثانيتهما منفية ب لا مع عطف المنفية على المثبتة بالواو إلا إذا كان في نفي الثانية تأكيد لإثبات الأولى نحو محمد يقوم ولا ينام، وما هنا بخلاف ذلك.

ثانيهما: أن الله قد نفى عنها الذل، وفي إثبات إثارتها للأرض إثبات لهذا النفي.

وذهب بعض المفسرين إلى جواز كونها تثير الأرض مرحا ونشاطا بقروها وأظلافها، لا لأجل تهيئتها للحرث، وهو رأي سائغ ولكن القول الأول أنسب بنسق الكلام وأسبق إلى احتلال الأفهام.

والحرث هنا بمعنى المحروث كالزرع بمعنى المزروع، ومعناهما واحد.

وصفها بأنها " مسلمة " لتبرئتها من العيوب التي تكون في جنسها، وقيل: إن أهلها سلموها من الخدمة والاستعمال، وقيل: مسلمة من شائب الحرام، فلا غصب فيها ولا سرقة، وقيل: مسلمة من الشيات، وعليه فقوله: { لا شية فيها } بيان ل " مسلمة " ، وعلى ما سبق صفة أخرى لبقرة، والشية مصدر وشى، كعدة وعظة، وبمعناه الوشى وهو خلط اللون بألوان أخرى، ولذلك سمي به التطريز لأن من عادته أن يجمع بين ألوان مختلفة، ومفاده خلوص صفرة تلك البقرة بحيث لم تشب بأي لون من الألوان الأخرى، وهو مما يندر جدا، ولذلك قال من قال إنها لم تكن من بقر الدنيا بل أنزلها الله من السماء، وقد أجاد الألوسي في وصفه هذا القول بأنه هابط في تخوم الأرض، وقيل: كانت بقرة وحشية، وهو - مع بعده - أقرب مما قبله.

وتتابع التأكيد بإن في قوله: { إن الله يأمركم } وما بعده من خطاب موسى لهم المحي هنا قاض عليهم بالغباوة البالغة والعناد المتناهي، إذ لو كانوا أولي فطنة وانقياد لكانوا في غنى عن مثل هذا الخطاب المتكرر المقترن في كل مرة بآل التأكيد الذي لا يخاطب مثله إلا من استحكم فيه الغباء، واستبد به التعنت.

واختيار البقرة للذبح في هذه القضية دون غيرها من سائر الحيوان - مع أن الله تعالى قادر على بعث ميتهم بما يشاؤه من الأسباب وبدون أي سبب - إما لتمحيص إيمانهم وابتلاء عزيمتهم فإن البقر عنصر مقدس بمقتضى عقيدة الكفر التي اعتنقوها حينما عبدوا العجل، فكان في ذبحهم لها تحقيق لتوبتهم مما كانوا فيه، وإما لكشف ما بهم من غباوة تثير استغراب من يسمع قصتهم ويقارن بين حاليهم؛ فموسى عليه السلام رسول من الله لا يتكلم إلا بوحيه، ولا يدعو إلا إلى هديه، وقد أبلغهم عن الله عز وجل أنه يأمرهم بذبح بقرة، وقد كان الواجب يقتضيهم أن لايترددوا في امتثال الأمر، إذ لم يأمرهم إلا بمعقول شرعا، ومقبول وضعا، فإن ذبح البقر أمر معهود بين الناس غير أنهم ما كان منهم إلا سوء الظن بالقائل والتعنت في الأمر بينما هم - عندما أمرهم السامري بعبادة العجل - لم يتعنتوا عليه ولم يسيئوا به الظن، بل اندفعوا إلى ما أراده منهم، متجاهلين للأوامر الشرعية ومتعامين عن البراهين العقلية، القاضية بضلال ما كانوا يعملون.

وبعد أن انسدت في وجوههم الأبواب بما ووجهوا به من جواب عن كل مسألة جاءوا بها: { قالوا الآن جئت بالحق } ، ومفهوم قولهم هذا أن ما جاء به من قبل لم يكن حقا، ولذلك حكم عليهم قتادة أنهم كفروا به، ولم يرد ذلك غيره وإنما حملوه على ما اعتيد منهم من سوء القول الناشئ عن جفاء الطبع، وهؤلاء اختلفوا في المقصود بالحق؛ منهم من حمله على الحقيقة، أي الآن جئت بالحقيقة الناصعة، ويقرب منه قول من قال إنه بمعنى القول المطابق للواقع، وفسره بعضهم بمعنى الأمر المقضي أو اللازم، وذلك أنهم لم يجدوا مناصا عنه بعد هذه المعاذير التي جاءوا بها في صورة الإستفهام عن حقيقة ما طولبوا به.

وجوز الإمام ابن عاشور أن تكون الآية حكت معنى ما عبر عنه اليهود لموسى بلفظ هو في لغتهم محتمل للوجهين، فحكى بما يرادفه من العربية تنبيها على قلة اهتمامهم بانتقاء الألفاظ النزيهة في مخاطبة أنبيائهم وكبرائهم كما كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم " راعنا " فنهينا نحن عن أن نقوله بقوله تعالى: { ياأيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا }.

قال: " وهم لقلة جدارتهم بفهم الشرائع قد توهموا أن في الأمر بذبح البقرة دون بيان صفاتها تقصيرا كأنهم ظنوا الأمر بالذبح كالأمر بالشراء، فجعلوا يستوصفونها بجميع الصفات، واستكملوا موسى لما بين لهم الصفات التي تختلف بها أغراض الناس في الكسب للبقر، ظنا منهم أن في علم النبي بهذه الأغراض الدنيوية كمالا فيه، فلذا مدحوه بعد البيان بقولهم: { الآن جئت بالحق } ، كما يقول الممتحن للتلميذ بعد جمع صور السؤال: الآن أصبت الجواب، ولعلهم كانوا لا يفرقون بين الوصف الطردي وغيره في التشريع، فليحذر المسلمون أن يقعوا في فهم الدين على شيء مما قوع فيه أولئك وذموا لأجله ".

صفحه نامشخص