جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وقد هيأ الله لهم البقرة الجامعة لما ذكر من الأوصاف: { فذبحوها وما كادوا يفعلون } ، وقد كان تيسيرها لهم فضلا من الله ورحمة، إذ اجتماع هذه الأوصاف جميعها في بقرة واحدة من الندرة بمكان، وقد بالغ المفسرون في تحديد ثمنها الذي بذلوه فيها، وجاءوا في ذلك بأقوال شتى حتى قال من قال منهم اشتروها بملء مسكها - جلدها - ذهبا، وقال بعضهم بوزنها من الذهب، وقال آخرون: بأضعاف ذلك، وهي جميعا أقوال لم تعززها أدلة لعدم ثبوت شيء من ذلك عن المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، ومثل هذا لا يوصل إليه إلا بالتوقيف، ولعلهم تلقفوا هذه الأقوال من أهل الكتاب، ويشهد له ما ساقوه من قصة طويلة عن البقرة وصاحبها الذي اشتريت منه، ليس إلى ذكرها من داع، ومهما يكن فإن ندرة هذا الوصف في البقر داع إلى أن يكون لها ثمن يتجاوز أثمان البقر المعتادة خصوصا عندما يعلم صاحبها ضرورتهم إليها فيشح بها عليهم استغلالا لحاجتهم، وما أوقعهم في ذلك إلا هذا العنت الطويل، وإثارة التساؤلات التي كانوا في غنى عنها لو أنهم سارعوا إلى الطاعة والامتثال، وكل ما ذكرته يستفاد من قوله تعالى: { وما كادوا يفعلون } فإنه دليل على منتهى إبائهم ومبلغ عنادهم.
وكاد من أفعال المقاربة، ولعلماء البلاغة والإعراب فيما إذا جاءت منفية أو مثبتة بحوث واسعة ومداولات مشهورة، فكثير منهم قالوا هي معاكسة لسائر الأفعال فإثباتها نفي ونفيها إثبات، واعتبروا الآية دليلا على صحة ما قالوه، فهي هنا مثبتة للفعل مع اقترانها بالنفي بخلافها في قوله تعالى:
يكاد البرق يخطف أبصارهم
[البقرة: 20]، وقوله:
يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار
[النور: 43]، فإن خطف الأبصار والذهاب بها لا يكونان بالبرق وسناه، وذهب آخرون إلى إجرائها على الأصل المتبع في الإثبات والنفي، وحملوا قوله تعالى: { يكاد البرق يخطف أبصارهم } ، وقوله: { يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار } على ثبوت المقاربة التي هي مدلول كاد، وحملوا النفي في هذه الآية على سابق حالهم عندما كانوا لا يفتأون يوجهون إلى موسى عليه السلام أسئلتهم الممعنة في التعنت والإعراض هروبا الامتثال، وإصرارا على العصيان، وإنما طرأ الذبح بعد هذه الحال المؤيسة لكل ناظر في أمرهم من قبولهم لما صلب إليهم من الحق، وبين هذين الرأيين آراء أخرى لا داعي إلى ذكرها.
والتعبير ب (يفعلون) بدلا من (يذبحون) في خاتمة هذه الآية لتجنيب القرآن التكرار الممقوت الذي لا يتلاءم مع بلاغة الكلام المعتاد فكيف بكلام لا يصل إلى شأوه بيان ولا يقدر على مثله لسان، ومؤدى العبارتين واحد.
[2.72-73]
في هاتين الآيتين بيان الداعي لأمر بني إسرائيل بذبح البقرة المذكور في الآيات السابقة، وإيضاح للحكمة البالغة التي كانت تكمن وراء هذا الأمر، وذلك أن قتيلا من بني إسرائيل وجد على باب سبط من أسباطهم فشبت بينهم نار فتنة كادوا يصطلون بأوارها، فقد تداروا مسؤولية قتله، وألقاها كل سبط على عاتق غيره من الأسباط مدعيا براءته منها براءة الذئب من دم يوسف، فما كان منهم إلا أن امتشقوا السيوف وشرعوا الأسنة وكادوا يتجالدون بالسلاح لولا عناية الله التي ساقت بعضهم إلى اقتراح التحاكم إلى موسى نبي الله ورسوله عليه السلام.
وقد عنى المفسرون بالمأثور بهذه القصة فأوردوها على وجوه شتى؛ فمن قائل: كان القاتل ابن أخ للقتيل، وقائل: كان ابن عمه، وآخرون ذهبوا إلى أن القاتل أكثر من واحد، وقد ذكرت فيما سبق ما يجمع بين هذه الأقوال.
صفحه نامشخص