569

وعندما قيل له إن أردت الخطوط فقل كأنها، وإن أردت السواد واليقق فقل كأنهما، قال: أردت كأن ذلك ويحك.

وفي قول موسى عليه السلام لهم إثر ذلك { فافعلوا ما تؤمرون } استحثاث لهم على الامتثال وإشفاق عليهم مما يترتب على ترددهم من العقوبة بتغليظ التكليف الذي كانوا بمنأى عنه أول الأمر وإنما طرأ عليهم تأديبا لهم على تعنتهم في المسألة، ولكن أنى لهم ذلك، وقد عودوا أنفسهم الاستخفاف بأمر الله والتنطع على رسله حتى فسدت فطرتهم وانطمست بصيرتهم فصار ذلك جزاء من جبلتهم، فلذا أعادوا السؤال ثانية بما حكاه الله عنهم هنا في قوله: (قالوا يا موسى ادع لنا ربك يبين لنا ما لونها) وما للون وما كلفوا به لولا عدم تهيئهم لاستقبال أمر الله كما يجب ومحاولتهم التهرب منه بهذه المناقشات الفارغة التي لا تثمر إلا ضياع الوقت وسوء الطبع والتعود على التمرد والبعد عن الطاعة غير أنهم عوقبوا بجزاء من جنس ما سألوه، فكان هذا الجواب: { قال إنه يقول إنها بقرة صفرآء فاقع لونها تسر الناظرين } فرض عليهم لون خاص في تلك البقرة وهو الصفرة، ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل جاوزه إلى اشتراط فقوع اللون وهو أبلغ ما تكون فيه الصفرة فإن الفاقع للأصفر كالحالك والداكن للأسود، والقاني للأحمر واليقق للأبيض، يراد به الخلوص والنصاعة بحيث لا يشوبه لون آخر، وروي عن الحسن البصري أن المراد بالصفراء هنا شدة السواد واستدل بعضهم لقوله بقول الشاعر:

تلك خيلي منها وتلك ركابي

هي صفر أولادها كالزبيب

وهو قول لا يعتد به لمخالفته الوضع والاستعمال، فإن العرب خصصت لكل لون من الألوان باسم مشهور لا يشبه بغيره، ويؤكد أن الصفرة هنا على حقيقتها تأكيدها بالفقوع، وقوله: { تسر الناظرين } ، فإن اللون الأصفر في البقر ونحوها أقرب إلى كونه مصدر الإعجاب والأنس من اللون الأسود، ولا دليل في البيت لما ادعوه فإن العرب إنما تشبه بما كان أكثر اشتهارا وانتشارا عندها، وقد اشتهر في أوساطهم الزبيب الأصفر كالطائفي دون الأسود، ولو سلم ما توهموه من أن المشبه به الزبيب الأسود لم تكن في ذك أيضا حجة لأن الصفرة لا تفارق ألوان الإبل ولو غلبها السواد بخلاف البقر السود، وبجانب هذه الرواية النادرة عن الحسن نجد ابن جرير الذي رواها عنه روى عنه وعن سعيد ابن جبير أيضا أنها كانت بقرة خالصة الصفرة حتى أن قرونها وأظلافها كانت صفراء، وهو مخالف للمعهود في البقر، ولعلهما - إن صحت الرواية بذلك عنهما - استظهرا ذلك من قوله " فاقع " ، وهو غير ظاهر فإنما يستفاد منه خلوص صفرة الجلد دون غيره كما لو وصف واصف أحدا - وهو في سن الشباب - بأنه أبيض يقق لم يفد ذلك إلا خلوص البياض في ما اعتيد فيه دون غيره، كالشعر وأحداق العينين والشفتين واللسان، وكذا لو سمعت واصفا يصف شيئا بلون من الألوان لم يسبق إلى ذهنك إلا شمول ذلك اللون للأجزاء التي اعتيد فيها دون غيرها.

ووصفها بأنها تسر الناظرين لأن وجود بقرة بهذه الأوصاف كلها مما يعز عادة، والنفس أبهج بغير المألوف منها بالمألوف.

والسرور لذة نفسية تنبعث بالإحسان بالمحبوب إلى النفس سواء كان هذا الإحساس منشؤه إدراك الحواس الخمس، أو تذكر محبوب مضى، أو انتظار محبوب آت، وتكون بالشيء الحسي كرؤية الجمال، والمعنوي كانتصار صديق على عدو.

ولم يقنعوا بهذا البيان فأردفوا السؤالين السابقين بسؤال ثالث هو من حيث الصيغة لا يختلف عن الأول: { ادع لنا ربك يبين لنا ما هي } ، غير أنه له مضمون آخر غير المضمون السابق، وهو حال البقرة من حيثية التعامل معها هل هي مذللة أو مدللة، وقد أحسوا - وهم يوجهون هذا السؤال إلى موسى عليه السلام بما يتفاعل في نفسه من الأسى والحسرة على هذا التقصي في البحث فاعتذروا إليه بقولهم: { إن البقر تشابه علينا } وأردفوه قولهم: { وإنآ إن شآء الله لمهتدون } لينشط في دعائه ربه بأن يبين لهم ما يطلبون ولينجلي عن قلبه غيم السآمة من مراجعتهم المتتابعة برجائه امتثالهم الذي أخذت تظهر تباشيره وتزحف طلائعه لا سيما أنهم جاءوا بما لم يعهد منهم من قبل من لطف القول، وحسن الوعد، ورعاية جانب مشيئة الله سبحانه فيما هم طامعون فيه من الهداية.

وقد علم الله ماذا يعنون بمسألتهم فأجابهم بما يشفي غليلهم وهو أن تلك البقرة من النوع المدلل من الحيوان فهي ليست ذلولا، والذلول ما لان وانقاد من الذل - بالكسر - بمعنى الانقياد وعدم العتو، يقال ذل الثور والفرس ونحوهما لصاحبه ذلا إذا لان له، أما الذل - بالضم - فهو بمعنى الهوان، كقولهم: ذل الرجل بعد عزته ذلا إذا هان، وهذا الوصف يقتضي عتوها لعدم ترويضها بالعمل كالبقر العوامل، وبين ذلك في قوله: { تثير الأرض } ، فهو وصف لذلول داخل في حيز النفي.

والمراد بإثارة الأرض قلبها لأجل الحرث، ولا يكون إلا ببقرة مذللة، وروي عن الحسن أنها كانت بقرة وحشية، فلهذا وصفها بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، أي لم تعد للحرث ولا للسني، وذهب بعض أهل التفسير إلى أن جملة { تثير الأرض } خارجة عن حيز النفي وصفت بها البقرة المطلوبة، وعليه فالوقف على ذلول، ومحمل هذا التفسير على أنها كانت حارثة غير ساقية، وهو مردود لوجهين:

صفحه نامشخص