جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وليس أمره بأن يكونوا قردة أمر تشريع بل أمر تكوين لعدم قدرتهم عليه وإنما هو على حد قوله:
إنمآ أمره إذآ أراد شيئا أن يقول له كن فيكون
[يس: 82].
واختلف في تحولهم إلى قردة، هل كان صوريا بأن تحولت أجسادهم إلى أجساد القردة، أو كان معنويا بأن اتصفوا بصفاتها، والأول هو قول الجمهور، والثاني قول مجاهد، فقد أخرج عنه ابن جرير وابن أبي حاتم وابن المنذر انه قال: ما مسخت صورهم ولكن مسخت قلوبهم فمثلوا بالقردة، كما مثلوا بالحمار في قوله تعالى:
مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا
[الجمعة: 5]، واعتمد على هذا القول الإمام محمد عبده والسيد رشيد رضا، وذهب ابن عاشور إلى احتمال الأمرين قائلا: " والعبرة حاصلة على كلا الاعتبارين، والأول أظهر في العبرة لأن فيه اعتبارهم بأنفسهم واعتبار الناس بهم بخلاف الثاني، والثاني أقرب للتأريخ إذ لم ينقل مسخ في كتب تأريخ العبرانيين، والقدرة صالحة للأمرين ".
ولم يستبعد الفخر قول مجاهد ولكنه مال إلى قول الجمهور.
ويقوي مذهب الجمهور قوله سبحانه: { فجعلناها نكالا لما بين يديها وما خلفها وموعظة للمتقين } [البقرة: 66]، فإن ذلك أنسب بالمسخ الصوري، فهو أردع عن المعصية لما فيه من وضوح سوء العاقبة وأوعظ للنفوس.
أما ما قاله الإمام محمد عبده، من أنه لا يتم كون تلك العقوبة نكالا للمتقدمين والمتأخرين، وموعظة للمتقين إلا إذا كانت جارية على السنة المطردة في تربية الأمم وتهذيب الطباع وذلك ما هو معروف لأهل البصائر، ومشهور عند عرفاء الأوائل والأواخر، فيتعقب بأن العقوبة كلما كانت أغرب وأبعد عن المألوف كانت ألبغ أثرا في النفوس وأزجر للناس عن الاسترسال في العصيان.
وعدم ذكر القصة في كتب تاريخ العبرانيين لا يوحي بعدم وقوعها، فإن السكوت عن الشيء لا يدل على عدمه.
صفحه نامشخص