561

وإذا قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون

[الأعراف: 164].

وهذا التحايل نظير تحايلهم على شحوم الإبل والبقر التي حرمها الله عليهم فأخذوها وجمدوها وباعوها وأكلو أثمانها، وقد لعنهم الله على ذلك على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكفى بهذا شاهدا على عظم جرم المتحايلين على الله باستحلال ما حرم أو إسقاط ما أوجب كالذين يتحايلون على الربا بمختلف الذرائع، أو يتحايلون على إسقاط الزكاة بتمليك الغير ونحوه، أولا يدري أولئك أنهم يخادعون الذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء:

وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون

[البقرة: 9]، وما أحمق وأضل من سولت له نفسه مثل هذا الخداع غير مكترث بما يترتب عليه من شر المآل في الدنيا والآخرة، ولعمري إن من يجترئ على حرمات الله باتباع هذه المسالك الملتوية لا تقف به قدمه حتى يأتي الحرام الصريح جهرا، كما انتهى الأمر ببني إسرائيل الذي تحايلوا على الصيد في السبت ثم لم يلبثوا حتى صادوا علنا وباعوا في الأسواق.

والأصل في الاعتداء تجاوز حد السير مأخوذ من العدو وتعورف على إطلاقه في مجازه الحدود التي سنها الشرع أو العرف، ولذا أطلق على العسف والظلم وعدم المبالاة بحقوق الغير لما في ذلك من الانطلاق من القيود الدينية والاجتماعية، وهو شرعا مخالفة أوامر الله ونواهيه بترك ما أوجب أو ارتكاب ما حرم لأنها بمثابة الحدود لما يؤتى وما يترك.

والسبت هو اليوم المعروف، وأصله القطع، سمي بذلك لأن الله سبت فيه خلق كل شيء إذ فرغ من خلق السماوات والأرض يوم الجمعة - على ما قيل - واشتق مه سبت اليهودي إذا عظم يوم السبت، وقيل تسمية اليوم به مأخوذة من سبت بمعنى عظم، وعضد هذا القول بأن العرب كانت تسمى أيام الأسبوع بغير هذه الأسماء المعهودة وإنما نشأت هذه الأسماء بعدما شاعت المصطلحات الدينية عندهم، ويحتمل أن يكون في الآية اسما لليوم أو مصدرا، وعلى الأول فاعتداؤهم في حكم السبت، وعلى الثاني في نفس السبت - وهو التعظيم - لعدم وفائهم به.

وأجمل الاعتداء هنا، وفصل في الأعراف كما سبق، وأجملت عقوبته هناك بقوله:

وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس

[الأعراف: 165]، وفصلت هنا بقوله: { فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين }.

صفحه نامشخص