جواهر التفسیر
جواهر التفسير
و " لعل " تعليلية - كما سبق - مفادها أن اتقاء سخط الله وعذابه مرهون بذكر ما أنزل من كتابه.
والأصل في التوالي أن يكون بالأجسام، وذلك بأن يعرض أحد عمن كان مقبلا عليه فيوليه ظهره، واستعمل مجازا في عصيان الأوامر والنواهي بعد بروز حجتها، كما استعمل في ترك العمل بعد ممارسته، والآية كاشفة لخبث النفوس اليهودية وانطماس بصائرها، فقد كان منهم هذا التولي بعد أن رأوا الآيات الواضحات، والمعجزات الباهرات، وما اختصوا به من النعم السابغة والآلاء المتلاحقة، فقد بدلو نعمة الله كفرا، ولم يطيعوا له أمرا، فقتلوا النبيين بغير حق، وشوهوا وجه الكتاب الذي أوتوه بالتحريفات الباطلة، والتأويلات الفاسدة، فكثيرا ما أضافوا إليه ما لم يكن منه، وانتزعوا منه ما علموا حقه وصدقه، لا لداع إلا ابتاع الهوى، والحرص على حطام الدنيا، وإيثار الحماقة والجهل، وهذا من ضروب التولي المقصود بالآية.
وفضل الله فتحه لهم باب التوبة ورحمته توفيقه للتائبين وقبول توبتهم، وقيل: الفضل هو الإسلام، والرحمة هي القرآن وهو المروي عن أبي العالية، وعليه فالخطاب لمعاصري رسول الله صلى الله عليه وسلم نصا وروحا، وقيل: الفضل هو الهدى الذي انطوى عليه القرآن، والرحمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، فقد أرسله الله رحمة للعالمين، وبنو إسرائيل من العالمين الذين أرسل إليهم، وقد فتح لهم باب الإيمان به وعرفوا صدقه مما بقى عندهم من كتابهم غير مبدل، وعدم إيمانهم به إنما كان من تلقاء أنفسهم وإلا فقد وضحت لهم حجته وأشرقت عليهم معجزته، وقد آمن به من أنعم الله عليه بالتوفيق منهم، كعبد الله بن سلام رضي الله عنه.
والخسران هو خسران الدنيا باستئصال شأفتهم، وخسران الآخرة بسوء العذاب وفوات ما أعده الله للمتقين في جنات عدن تجري من تحتها الأنهار.
[2.65-66]
هذه من القصص التي تصور لنا التعنت الإسرائيلي البغيض وما وصلوا إليه من الاستخفاف بأحكام الله، ذكرت هنا وفي سورة الأعراف، وهي هناك أبين عبارة وأوضح دلالة، وذلك قوله تعالى:
وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون
[الأعراف: 163]، وقد خرجت عن اسلوب التذكير بالقصص السابقة التي قرنت بإذ المشيرة إلى زمن القصة مع اشعارهم بتحقق وقوعها ولم أجد من المفسرين من أشار إلى سبب هذه المخالفة في الأسلوب ما عدا الإمام ابن عاشور الذي عد ذلك من وجوه إعجاز القرآن، وخلاصة ما قاله: أن هذه القصة تختلف عن سابقاتها لأن تلك ضمنتها كتب التوراة كسائر القصص المحكية بإذ، أما هذه فهي غير مسطورة في الأسفار القديمة، وإنما كانت معروفة لعلمائهم وأحبارهم، ذلك لأنها وقعت في زمن داود عليه السلام فأطلع الله تعالى عليها نبيه صلى الله عليه وسلم بعبارة تؤذن بأن العلم بها أخفى من العلم بالقصص الأخرى، إذ قال: { ولقد علمتم } فاسند الأمر فيها لعلمهم.
وخلاصتها أن اليهود امروا بتعظيم يوم السبت والتفرغ فيه للعبادة بترك الأعمال الدنيوية كلها، وروى ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم أمروا بتعظيم الجمعة فعدلوا عنها إلى السبت، وعليه فإن الله تركهم وما اختاروه فكان ترك العمل في السبت مشروعا لهم، ومن بيت الأعمال التي فرض عليهم ترك صيد الحيتان، وكانوا في قرية على ضفة البحر وذكر ابن عاشور أنها أيلة بفتح الهمزة وبتاء التأنيث في آخره - وهي بلدة على خليج صغير من البحر الأحمر في أطراف مشارف الشام، وتعرف اليوم بالعقبة، وهي غير إيلياء التي هي بيت المقدس - فابتلاهم الله لسابق فسوقهم بأن كانت الحيتان تدنو من الساحل في السبت حتى تشرع خراطيمها إليه وتخفى في سائر الأيام لغوصها في عمق البحار، فصبروا على ذلك برهة، ثم أخذت طائفة منهم تتحايل على اصطيادها، فحفرت حفرا بالساحل وشقت إليها جداول من البحر فإذا مد البحر رمى بمائة وحيتانه في تلك الحفر فتبقى لها الحيتان مع الجزر غير قادرة على العود إلى البحر فإذا كان يوم الأحد أخذوها من تلك الحفر فأكلوها وباعوها في الأسواق.
ومنهم من كان يغرز خشبة بالساحل يشد إليها حيتانا يربطها بخيوط يوم السبت ثم يرسلها في البحر ويعود إليها يوم الأحد فيأخذها، وعندما رأوا إمهال الله إياهم اجترأوا فأخذوا يصيدون يوم السبت جهرة ويبيعون في الأسواق، فانقسم غير هذه الطائفة من بني إسرائيل إلى طائفتين، طائفة جاهرت بالإنكار، وأخرى ساكتة عاذلة للمنكرين بدعوى أن الطائفة المنتهكة حقت عليها كلمة العذاب، فلا تجدي فيها الموعظة، وذلك ما حكاه الله في قوله:
صفحه نامشخص