جواهر التفسیر
جواهر التفسير
والمراد بالطور الجبل كما في آية الأعراف، وهو عند ابن جرير الطبري اسم عربي لمطلق الجبل، وأنشد قول العجاج:
دانى جناحيه من الطور فمر
تقضى البازي إذا البازي كسر
وقيل سرياني وعليه مجاهد، وقيل: هو خاص بالجبل الذي أنزلت عليه التوراة، وهو الذي ناجى الله عليه موسى، وقيل: بما أنبت من الجبال دون مالا ينبت، والقولان مرويان عن ابن عباس رضي الله عنهما، وحكى الإمام ابن عاشور أنه قيل بأن الطور اسم جنس للجبال في لغة الكنعانيين نقل إلى العربية، ثم قال: فإذا صح ذلك فإطلاقه هذا الجبل علم بالغلبة في العبرية لأنهم وجدوا الكنعانيين يذكرونه فيقولون الطور يعنون الجبل، كلمة لم يسبق لهم أن عرفوها فحسبوها علما له فسموه الطور.
والأخذ مجاز في التلقي والقبول؛ وما أوتوه هو التوراة أو الشريعة التي تضمنتها، والمؤدى واحد؛ والقوة عبارة عن الإدراك والفهم، والجد والعزم، والتطبيق والعمل، وإلى ذلك يرجع ما قاله المفسرون، كقول ابن أبي نجيح ومجاهد بأنها العمل، وقول أبي العالية إنها الطاعة، وقول قتادة بأنها الجد، والسدى بأنها الجد والاجتهاد، وابن زيد بأنها الصدق والحق، ولا يعد مثل هذا خلافا كما سبق في المقدمة.
وأكثر المفسرين قالوا بأن جملة { خذوا مآ ءاتينكم بقوة } معمولة لمحذوف تقديره قائلين، ولم يرد ذلك بعضهم لأن الميثاق نفسه قول.
وطولبوا بأن يذكروا ما فيه ليرسخ في نفوسهم حتى يتحول الى عقيدة في قلوبهم، وشعور في وجدانهم، ونور في بصائرهم، ومنهج لحياتهم، ذلك لأن الذكر منشأ الطاعة والامتثال، والغفلة سبب المعصية والاستخفاف.
والحق أن الذكر أعم من أن يكون باللسان وحدها أو بالقلب وحده، فإن الذكر باللسان سبب لاستقرار المذكور في القلب، والذكر بالقلب هو الذي يترتب عليه ما ذكرته من العزيمة والفهم والتطبيق.
وهذا التلقي لما أنزل الله واجب على كل أمة في كل ما أنزل إليها، وأجدر به من كل الأمم أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام التي خصها الله بأكرم رسول، وأعظم كتاب، وأجمع شريعة، فهي جديرة بأن تترجم ما أنزل الله عليها من الهدى والفرقان ترجمة صادقة شاملة بدقة التطبيق وأبلغ المحافظة، وهذا هو الإيمان الحق بما أنزل الله والقيام التام بحق الكتاب المنزل.
أما ما عنى به الناس من تلاوة الكتاب بأشجى الأنغام مع المحافظة على تجويد الحروف وإحكام مخارجها، واتقان صفاتها فلا يعد ذلك توقيرا للكتاب مع إهمال أحكامه ونسيان أوامره ونواهيه، ولو كان توقير الكتاب ووفاء حقه بهذا الذي عنوا به فحسب لما كانت قيمته تتجاوز الأغاني والأناشيد التي يحرص أصحابها أن تصل إلى مسامع السامعين وأذواقهم بأشجى الألحان وأحسن الإيقاع، وكتابا لله أجل من ذلك وعن كل ما يتصورون، وقد أنزل للتطبيق والعمل لا للتسلي واللهو.
صفحه نامشخص