جواهر التفسیر
جواهر التفسير
[2.62]
للمفسرين في بيان ما يراد بالآية رأيان؛ منهم من ذهب إلى أنها نزلت تبشيرا للصالحين من هذه الأمة وتبيانا لأحوال أسلاف الأمم السابقة المتقيدين برسالات الله تعالى الذين لم يشب إيمانهم كفران، ولم يلحق عملهم انحراف، فقد جمعوا بين رسوخ الإيمان وصلاح العمل، فهم معدودون في السعداء الفائزين { فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون } ، ذلك لأن شموس رسالات الله كانت تطلع على الأرض بالهدى ودين الحق فيستنير بها السالكون الموفقون وكانت جميع هذه الرسالات متفقة في أصولها، متحدة في أهدافها، فقد كانت تدعو إلى عقيدة واحدة، وهي عقيدة التوحيد، وعدم إشراك أحد مع الله،
ومآ أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون
[الأنبياء: 25]، كما كانت تغرس في النفوس روح الفضيلة والتقوى، وإنما كانت تختلف فيها كيفيات العبادات كما تختلف شرائعها وأحكامها بحسب ما يرى الله من مصلحة للعباد، فمن كان تابعا لرسالة من هذه الرسالات، معتصما بحبلها، متقيدا بحكمها، فهو على هدى من الله حتى تنسخ برسالة غيرها، فإذا مات على ذلك فهو من المبشرين بالفوز والسعادة في هذه الآية وأمثالها، أما من كان من أتباع إحدى هذه الرسالات ثم أدركته رسالة ناسخة لها لم يكن له أن يتردد في إتباع الناسخة، وأن يتشبث بالمنسوخة، لأن أحكام المنسوخة أحكام وقتية محدودة انتهى أمدها بما أتى بعدها، فمن كان من أتباع موسى مثلا وأدركته رسالة عيسى عليه السلام لم يكن له عذر في ترك اتباع عيسى وعدم الإيمان به، بل يعد ذلك كفرا بموسى نفسه وبما جاء به لتبشيره بالمسيح عليه السلام، وكذلك من كان من أتباع عيسى وأدركته رسالة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وجب عليه أن يستجيب لندائها، وأن يستظل بلوائها، وأن يترك ما كان عليه، وإلا كان كافرا بالرسالتين جميعا وبالرسالات السابقة كلها لما فيها من التبشير صلى الله عليه وسلم ولأخذ الله مواثيق الأمم على ألسنة أنبيائهم بأن يؤمنوا به صلى الله عليه وسلم،
وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لمآ آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جآءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين
[آل عمران: 81]، فالمذكورون مع الذين آمنوا في الآية على هذا القول - هم الذين كانوا متعبدين بالرسالات السابقة قبل إشراق شمس الرسالة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام؛ وعليه فالمناسبة بين هذه الآية وما قبلها أنه ربما ظن ظان وفكر مفكر - بعدما سمع مما سبق من الآيات من قوارع الوعيد لبني إسرائيل وما سجل عليهم فيها من سفه أحلامهم وضلال سعيهم - أنهم جميعا تشملهم تلك الأوصاف، ويحيق بهم ذلك الوعيد، فلا مفر لأحد منهم من قبضة العذاب، فأراد الله أن يدرأ هذا الوهم وأن يبين عدله فيهم وفي غيرهم، فهم لم يمقتوا لعنصرهم وإنما مقت من مقت منهم لضلال معتقده وسوء صنيعه، وأن شأن الله معهم كشأنه مع هذه الأمة وسائر الأمم، فليس بين الله أحد من خلقه نسب، ولا يصل الناس به ويقربهم إليه إلا الإيمان الخالص والعمل الصالح، فمن جمع بينهما فاز برضوانه وثوابه، ومن فرط فيهما خسر الدنيا والآخرة، على أن ممن مضى من بني اسرائيل أمة قدرت الله حق قدره فأحسنت عبادته وأقامت دينه خلد الله ثناءها في قوله:
ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون
[الأعراف: 159].
وذهب آخرون إلى أن الآية تبشر الذين يقلعون عن غيهم من أصحاب الديانات المنحرفة، ويتبعون الهدى الذي بعث به محمد صلوات الله وسلامه عليه بعدما اتضحت لهم حجته وأضاء لهم نوره، وتجلى لهم إعجازه، ولا يفرطون فيما فرض الله عليهم من الإيمان والعمل، فهم حقيقون بما وعدهم الله به من الجزاء، وعليه فذكر الذين آمنوا للتنويه بالسابقين إلى الإيمان برسالة محمد صلى الله عليه وسلم الذين كونوا من أنفسهم - مع قلة عددهم وضعف حالهم - أمة مستقلة في عقيدتها وعباداتها وأخلاقها، وللتحريض على اللحاق بهم، والاستبصار بنورهم، ومناسبة الآية بما قبلها - على هذا القول - أن الوعيد الشديد الذي صب فيما قبلها على اليهود صبا قد يلقي بهم في مضايق اليأس من روح الله، والقنوط من رحمته وعفوه لو لم يتبع بما ذكر هنا من تبشير من آمن منهم وعمل صالحا، وفي هذا دعوة لهم إلى الإقبال على ما أدبروا عنه من الحق، وتربية لنفوسهم العاتية بالترهيب تارة وبالترغيب أخرى، وفي ذكر الذين آمنوا وغيرهم ممن ذكر معهم إيناس لوحشتهم وتسكين لروعهم وتحقيق لما ذكرته من قبل من عدل الله بين عباده.
وإطلاق لقب الذين آمنوا على هذه الأمة من باب العلمية الغالبة وذلك لجمعها في الإيمان بين رسالات جميع المرسلين:
صفحه نامشخص