547

لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم

[الأحزاب: 53]، وقد راعى في الموضعين ثقل اجتماع همزة النبئ والتي تليها فخفف بالإبدال والإدغام.

وقيل: إنه مشتق من النبوة وهي الرفعة، وعليه فلا همز في أصله ويحتمل كذلك كونه بمعنى فاعل ومعنى مفعول لأنه رافع لمن استجاب له من دركات الضلال إلى ذروة الهدى، ومرفوع القدر عند الله وعند الذين آمنوا.

واختلف في الفرق بينه وبين الرسول، ولدقة الفروق قال من قال بعدم التفرقة، وعليه فهما وصفان لموصوف، فكل نبي رسول، وكل رسول نبي، وهذا القول يتفق مع اعتباره بمعنى فاعل على كلا القولين في أصل اشتقاقه لاستلزام إنبائه عن الله أن يكون مرسلا إلى من أنبأه، وكذا استلزام إرساله إلى من رفعه من دركات الضلال والشك إلى ذروة الهدى واليقين.

والمشهور أن بينهما عموما وخصوصا، فكل رسول نبي ولا عكس لأن النبي من أنبئ عن الله، سواء أمر بالتبليغ أم لم يؤمر، والرسول من أنبئ وأمر بالتبليغ.

ولا يكون قتل النبيين حقا، فالنص على أنهم قتلوهم بغير الحق ليس للتقييد ولكن لتأكيد المذمة.

وترجع الإشارة الثانية عند أكثر المفسرين إلى ما رجعت إليه الأولى، وإنما أعيدت للتأكيد، ومعنى ذلك أن ضرب الذلة والمسكنة عليهم بسبب كفرهم بآيات الله، وقتلهم النبيين بغير الحق، وبسبب معصيتهم واعتدائهم، والصحيح أن لها مرجعا غير مرجع سابقتها، فالأولى تشير إلى ضرب الذلة والمسكنة عليهم، والثانية تشير إلى الكفر بآيات الله وتقتيل النبيين بغير الحق، فإن ذلك ناشئ عن معصيتهم لله واعتدائهم حدوده، وهذا كما يقال: " المعاصي بريد الكفر " ، فإن من شأن المعصية إذا استخف بها صاحبها وأصر عليها أن تجر إليه نظائرها، فإن النفس إذا انفلتت من حبال التقوى، وخرجت من حظيرة خوف الله لم تكد تقف عند حد من حدود العصيان فتستخف بما كانت تستعظمه، وتستصغر ما كانت تستكبره، وذلك ما يعنيه قول الله تعالى:

كلا بل ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون

[المطففين: 14]، فإن النبي عليه أفضل الصلاة والسلام ذكر المعصية وأثرها في القلب، وأن من تاب منها صقل قلبه، ومن استمر عليها ازداد أثرها حتى يغطي على القلب، ثم قال: (فذلكم الران) وتلا الآية، وكفى بهذا داعيا إلى مراقبة القلب ومحاسبة النفس في جميع الأوقات، وفي كل الأحوال، فرب معصية لا يرفع لها العبد شأنا ولا يحسب لها حسابا تهوي به الى الضلال البعيد، وتردي به في العذاب الأليم والعياذ بالله، ولذلك كان ذوو البصائر لا يفتأون يراقبون النفس ويحاسبونها حتى على المباح فضلا عن السيئات.

وتعميم صفة القتل عليهم لأنهم بين قاتل ومقر وموال للقتلة.

صفحه نامشخص