جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وليس قوله: { فإن لكم ما سألتم } تعليلا للأمر ولا جوابا له لاستلزام ذلك الترغيب فيه مع اقتضاء المقام خلافه كما هو واضح من كون الأمر تعجيزيا.
ولا التفات في قوله: { وضربت عليهم الذلة والمسكنة } على الصحيح وإن خرج الكلام من الخطاب إلى الغيبة لأن المقصودين في الحديث الخطابي الذين تمردوا على أوامر الله ورسوله موسى فحبسوا في التيه لامتناعهم عن مقاتلة الجبارين ودؤوبهم على العنت، وقد مثلوا في ذريتهم الذين كانوا بالمدينة عند نزول الوحي فخوطبوا من خلالهم والمقصودين بالحديث المسوق مساق الغيبة جميع فئاتهم العاتين عن أمر الله والمناوئين لأنبيائهم في جميع العصور، ويندرج فيهم الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم.
ويتجه لي أن العطف في قوله: { وضربت... } الخ هو من باب عطف القصة على القصة، ذلك لأن الله حكى قصتهم مع موسى مبتدئا بتنجيتهم من فرعون وآله مقررا ما حصل منهم من كفر وجدل واستخفاف وعصيان، ثم أتبع ذلك تبيان عاقبة أمرهم ونتيجة فعلهم، وهو ما لزمهم من الذلة والمسكنة وما انقلبوا إليه من غضب الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينافي ما ذكرته من قبل من الاستدلال بهذا المعطوف على عدم إقرارهم على ما سألوه من إبدال عيشهم بما كانوا آلفيه من قبل لأن ذلك السؤال هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأسباب المذكورة التي أدت بهم إلى هذه العاقبة الوخيمة والنتيجة السيئة، ولأن قرن الأخبار بهذه العاقبة مع جواب موسى لهم موح بأن لسؤالهم أثرا في حصول هذه العاقبة لهم.
والضرب الإلزام والقضاء، ويرجع أصله إلى وقع جسم على جسم، كضرب اليد بالأرض، ومثله الضرب بالسيف أو العصى، واستعمل في معان تقتضي شدة اللصوق كالضرب في الأرض بمعنى السير فيها، وضرب القبة والبيت بمعنى شدهما ووثقهما من الأرض، وضرب الطين بالجدار إذا ألصق به، ومنه ضرب لازب، ومادته تدل على الشدة، ويراد بضرب الذلة والمسكنة عليهم إلصاقهما بهم كما يلتصق الطين بالجدار أو إحاطتهم بهما كما تحيط الخيمة بالموضع الذي ضربت فيه، ومن حيث إن حروف الضرب تشي بالشدة، كان اختيار هذا اللفظ على غيره في الإخبار عما لحقهم من الذل والهوان أعمق في الدلالة على المعنى وأكثر تناسبا مع المقام.
والذلة هوان النفس وصغارها، وهو خلق نفساني دنيء يدفع بصاحبه إلى الاستخذاء والاستكانة للمتسلط الذي يستذله بقهره ويستعبده بجبروته.
والمسكنة ما يظهر من أثر هذا الخلق على البدن من السكون والانزواء اللذين يشيان بالرضى بما يلحق النفس من إذلال المستعبد الجبار وسمى الفقر مسكنة، لأن من شأنه أن يقلل حركة صاحبه؛ وهاتان الصفتان من أسباب خور العزيمة ودنو وتلاشي القوة فلذلك كانتا مكروهتين للمسلم لأنهما لا تليقان بمكانته التي اختاره الله لها، والأمانة التي حمله إياها،
ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين
[المنافقون: 8].
واليهود من أشد الناس مسكنة وذلة، وقد سلط الله عليهم الأمم، وكتب عليهم الهوان، بعدما أنعم عليهم بالملك والنبوة، فبدلوا نعمة الله كفرا، وجاهروا بمعصيته، ولم يتناهوا عن منكر فعلوه، فقد أغارت عليهم المجوس مرتين ذاقوا فيهما مر العذاب، فقد قتل رجالهم، وسبيت نساؤهم، واسترقت ذريتهم، ثم وقعوا بعد ذلك تحت نير الحكم الروماني الذي لا يرحم فصب عليهم العذاب صبا، واستمروا يرزحون تحت وطأة الذل في كل العهود الغابرة حتى جاء العهد النازي القاسي فملأ بهم الأفران، وجعل جثثهم مختبرا لكل تجربة في العذاب، وإنما ابتلى الله بهم عباده المسلمين لتفريطهم في دينهم، واستوائهم معهم في معصية الله، والإعراض عما أنزل من الهدى، وهكذا يسلط الله من يشاء على من يشاء تأديبا لتكون في ذلك ذكرى لأولي الألباب.
وحمل كثير من المفسرين - أو أكثرهم - الذلة على الجزية التي فرضها الله عليهم في الإسلام، وهو تفسير بعيد لتنوع بلائهم وتلون ذلهم في جميع العصور المتعاقبة منذ أن بدأ عقاب الله يحيق بهم، ولم تكن الجزية مضروبة عليهم في جميع الأزمان.
صفحه نامشخص