543

ادخلوا مصر

[يوسف: 99]، وعليه فالمراد من أمرهم بهبوط مصر أن ما طلبوه لا يحتاج إلى دعاء فإن الله يسره لعباده في الأمصار، وما عليهم إن ابتغوه إلا أن ينزلو مصرا من هذه الأمصار فيجدوا فيه طلبتهم.

وقيل: هو القطر المعروف، وهو الذي حكاه أشهب عن مالك، وعضد أن في قراءة ابن مسعود مصر بدون تنوين وأنه في مصحف أبي بدون ألف، وأصحاب هذا القول يحملون قراءة الجمهور على تنكير اللفظ وتعريف المعنى، كما يقول القائل: إإتني برجل، ومراده رجل بعينه، واضطربت هنا الأفهام فأرباب القول الأول رأوا أنه لا يمكن أن يكون المراد القطر المصري لعدم ثبوت عودة بني إسرائيل إلى مصر من التيه، والآخرون عارضوهم بما في القرآن من توريث بني إسرائيل أموال فرعون وآله، وأدى هذا الاضطراب بالبعض إلى القول بأن المراد بمصر القرية المقدسة التي أمروا بدخولها، ومؤداه أنكم إن كنتم لا تصبرون على ما ترزقونه في هذا التيه فإنكم أنتم الذين أوقعتم أنفسكم فيه بالتلكؤ عن الجهاد، والتعنت على أمر الله، فما عليكم وأنتم تريدون الخلاص منه إلى أن تأتوا الأمر من طريقه، فتهبطوا إلى المصر الذي أمرتم فيه بمقاومة الجبارين فتكونوا أهلا لما وعدكم الله به من الاستخلاف، وتجدوا هناك كل ما سألتم.

ومنشأ هذا كله جعل الأمر بالهبوط أمرا شرعيا، أي أمر إباحة وهو يتعارض مع ما سبقه من الإنكار عليهم أن يستبدلوا الأدنى بالذي هو خير، ومن العجب العجيب أن يستدل مستدل بما في القرآن من توريث بني اسرائيل أموال فرعون وآله على خروجهم من التيه إلى مصر غافلا عما يكتنف هذا الأمر بالهبوط قبله وبعده من الإنكار والوعيد.

والصحيح أن الأمر بالهبوط هنا ليس أمرا تشريعيا وإنما هو أمر تعجيزي على حد قوله عز وجل:

قل كونوا حجارة أو حديدا

[الإسراء: 50]، وقد أريد به تبكيتهم على نزوعهم إلى مضارب هوانهم ومواطن ذلهم، حيث كانوا يتململون تحت نير القهر، ووطأة العذاب من فرعون وآله، وعليه فمصر هي البلد المعروف ولا إشكال في صرفه لجواز صرف الأعلام الثلاثية المسكنة الوسط لخفتها في النطق وإن استحقت منع الصرف لوجود سببيه، كنوح ولوط، ودعد وهند، ومجيؤه في القرآن غير مصروف تارة لا يمنع صرفه تارة أخرى لأنه من باب التفنن.

أما ما قاله أبو حيان من أن لمصر حكما آخر غير حكم نوح ولوط، ودعد وهند، لأن فيها سببين من أسباب منع الصرف، وفيه ثلاثة أسباب وهي التأنيث والعلمية والعجمة؛ فهو مردود من وجهين:

أولهما: أن جواز صرف تلك الأسماء مع وجود السببين المانعين منه إنما هو لمجرد الخفة في النطق التي يشاركها فيها مصر لأنها ناشئة عن تسكين الوسط.

ثانيهما: أن عجمة مصر التي ادعاها غير مسلمة وقد سبق بيان اشتقاقه من الألفاظ العربية وهذا الاشتقاق أورده أبو حيان نفسه.

صفحه نامشخص