542

ومهما قيل في أصل كلمة أدنى، فإن المراد (بالذي هو أدنى) ما طلبوه، والمراد (بالذي هو خير) ما كانوا أوتوه.

ولفظ (خير) للتفضيل، والخيرية المقصودة إما ان تكون باعتبار قيمة المن والسلوى، فإن البقول التي طلبوها لا تسوى شيئا بجانبهما، وإما لكونهما ساقهما إليهم نعمة خالصة، ففي أكلهما استدامة لشكر الله بجانب كونه امتثالا لأمره، بهذا يحصل لهم من الأجر والثواب بسببهما ما لا يحصل بغيرهما؛ وإما لخلوصهما من العناء والتعب، بخلاف ما طلبوه فإنه يستدعي الحرث والسقي والإصلاح والحصاد، وما كان خاليا من العناء فهو خير مما توقف عليه؛ وإما لأن الطبع أميل إلى ما كان ألذ وأطيب من المطاعم وغيرها، والبون شاسع في ذلك بين ما أوتوه وما سألوه، وإما لخلوص المن والسلوى من شوائب الحرم والشبه، بخلاف تلك البقول لضرورة زرعها، والزرع يتوقف على البذر والأرض، وهما مما تدخله الحرم والشبه، لإمكان غصبهما أو سرق البذر أو مرورهما بعقود غير جائزة شرعا، ولا يخفى فضل ما تيقنت حليته على ما احتمل الشبهة والحرام، وإما لأن المن والسلوى أعظم نفعا وأجدى غذاء للأبدان؛ وقد عد أبو حيان في بحره هذه الاعتبارات أقوالا، وأرى كونها وجوها أقرب لعدم تعارضها، وإن أوردها المفسرون متفرقة، وأراها جميعا مقصودة بالخيرية.

والاستفهام للإنكار، والأمر بهبوط مصر تابع له، فمصدرهما واحد وهو موسى عليه السلام، خلافا لأبي حيان القائل بتقدير محذوف بينهما، أي فدعا موسى ربه قال: { اهبطوا }.

والتعبير بالهبوط لأن القادم إلى بلد كمن ينصب عليه.

والمصر البلد، وأصله الحد بين الأرضين، ويحكى عن أهل هجر أنهم كانوا يكتبون " اشتري الدار بمصورها " أي بحدودها، ومنه قول الشاعر:

وجاعل الشمس مصرا لا خفاء به

بين النهار وبين الليل قد فصلا

وقيل هو مأخوذ من مصرت الشاة إذا حلبت كل ما في ضرعها، وسمى به القطر المعروف، وأكثر أهل التفسير على أن المراد به هنا أي مصر من الأمصار، واستدلوا له بصرفه، ولو أريد به القطر المعروف لمنع الصرف كما منع في قوله تعالى:

تبوءا لقومكما بمصر بيوتا

[يوسن: 87]، وقوله:

صفحه نامشخص