541

خلقا وبئس مثوبة المعتاض

وقد يعدل عن تعدية الفعل إلى الشيء المعوض ويعدى إلى آخذ العوض فيصير من باب أعطى فينصب مفعولين وينبه على المتروك بما يدل على ذلك من نحو من كذا وبعد كذا، كقوله تعالى:

وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا

[النور: 55] التقدير ليبدلن خوفهم أمنا، هذا تحرير طريق استعمال هذه الأفعال.

قال: " ووقع في الكشاف عند قوله تعالى:

ولا تتبدلوا الخبيث بالطيب

[النساء: 2] ما يقتضي أن فعل بدل له استعمال غير استعمال فعل استبدل وتبدل بأنه إذا عدى إلى المعمول الثاني بالباء كان مدخول الباء هو المأخوذ، وكان المنصوب هو المتروك والمعطى، فقرره القطب في شرحه بما ظاهره أن بدل لا يكون في معنى تعديته إلا مخالفا لتبدل واستبدل، وقرره التفتزاني بأن فيه استعمالين إذا تعدى إلى المفعول الثاني بالباء، أحدهما يوافق استعمال تبدل، والآخر بعكسه، والأظهر عندي أنه لا فرق بين بدل وتبدل واستبدل، وأن كلام الكشاف مشكل، وحسبك أنه لا يوجد في كلام أئمة اللغة، ولا في كلامه نفسه في كتاب الأساس ".

ولم أر في كلام الكشاف الذي أشار إليه ما ذكره من الإشكال فإنه لم يوم إلى التفرقة بين بدل وتبدل في الاستعمال الذي حرره الإمام ابن عاشور، وإنما أومى إلى ما بينهما من الفرق في المعنى تعقيبا على ما نقله عن السدي في تفسير تبدل الخبيث بالطيب بأنه جعل شاة مهزولة مكان سمينة، فأتبعه صاحب الكشاف قوله: " وهذا ليس بتبدل وإنما هو تبديل ". ومراده به أنه تبديل لمال اليتيم بوضع شيء مكان شيء، ولا يستنتج منه ما قاله التفتزاني كما هو واضح لمن تأمل.

و " أدنى " أفعل تفضيل من الدنو وهو القرب، ويراد به قلة القيمة أو عدمها، لأن ما لا قيمة له مبتذل عادة، يمكن لأي يد أن تتناوله، بخلاف ما ارتفعت قيمته، فإنه يحفظ بعيدا عن تناول الأيدي ورؤية الأبصار، ومن ثم استعمل الدنو والبعد في ضعة القدر وعلوه، وحقارة الهمة وعظمتها، وقيل: من الدناءة بمعنى الرداءة والحقارة؛ وعليه فأصله أدنأ بالهمز فخفف بإبدال الهمزة ألفا وعضد بقراءة زهير الفرقبي (أدنأ) بالهمز، وهي من شواذ القراءات، وتوهم بعض أنها قراءة للكسائي، ومنشأ هذا الوهم أن زهير المذكور يقال له زهير الكسائي، فأثبت ذلك البعض واوا بين اسمه ونسبه ظانا انها قراءته وقراءة الكسائي القارئ المشهور. أفاد ذلك أبو حيان.

وقيل أصله أدون من الدون بمعنى القرب فقدمت النون وأخرت عنها الواو وأبدلت ألفا لتطرفها وانفتاح ما قبلها؛ وفي هذا القول والذي قبله تكلف واضح وخروج عن الجادة لغير داع.

صفحه نامشخص