جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ثانيها: أنهم ربما كانوا في أصل خلقتهم غير متعودين على ذلك النوع، وإنما تعودوا سائر الأنواع، ورغبة الإنسان فيما اعتاده في أصل تربيته وإن كان خسيسا فوق رغبته فيما لم يعتده إن كان شريفا.
ثالثها: أنهم ربما لم يقصدوا بسؤالهم هذا نفس الأطعمة التي سألوها ولكنهم ملوا البقاء في التيه فطلبوا ما لا يوجد فيه لقصد خروجهم منه إلى البلاد التي بها ما سألوه.
رابعها، أن إدمان الطعام الواحد سبب لنقصان الشهوة وضعف الهضم وقلة الرغبة، والاستكثار من الأنواع يعين على تقوية الشهوة وكثرة الإلتذاذ.
وأكد الفخر ما ذهب إليه بأن القوم أجيبوا بما حكاه الله في قوله: { اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم } ، ولو سألوا معصية لما أجيبوا إليها، لأن الإجابة إليها معصية، وهي غير جائزة على الأنبياء.
وتكلف الرد على أدلة الجمهور بسفسطات لا أجد داعيا إلى ذكرها.
وذهب أبو حيان مذهب الفخر، وأورد معاني كلامه من غير أن يعزوه إليه. وهذا يتنافى مع ما قرره في خاتمة تفسير الآية الكريمة من أنهم تبرموا من الرزق الذي امتن به عليهم فلجوا في طلب ما كان مألوفهم إلى نبيهم، وأنهم وبخوا على ما سألوه من استبدال الخسيس بالنفيس....الخ.
وتوسط ابن عشاور بين المذهبين، إذ اعتبر المحكي عنهم دالا على سوء اختيارهم في شهواتهم - والاختيار دليل عقبل اللبيب وإن كان يختار مباحا - مع ما في صيغة طلبهم من الجفاء وقلة الأدب مع الرسول ومع المنعم، إذ قالوا: { لن نصبر } فعبروا عن تناول المن والسلوى بالصبر المستلزم للكراهية، وأتوا بما دل عليه (لن) في حكاية كلامهم من أنهم لا يتناولون المن والسلوى من الآن، فإن لن تدخل على استغراق النفي لأزمنة فعل نصبر من أولها إلى آخرها وهو معنى التأبيد، وفي ذلك إلجاء لموسى أن يبادر بالسؤال، يظنون أنهم أيأسوه من قبول المن والسلوى بعد ذلك الحين، فكان جواب الله لهم في هذه الطلبة أن قطع عنايته بهم، وأهملهم ووكلهم إلى نفوسهم، ولم ير هم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد فلق البحر وتظليل الغمام بل قال: { اهبطوا مصرا } فأمرهم بالسعي لأنفسهم وكفى بذلك تأديبا وتوبيخا.
ثم قال: " والمقصد من هذا أن ينتقل من تعداد النعم إلى بيان تلقيهم لها بالاستخفاف لينتقل من ذلك إلى ذكر انقلاب أحوالهم وأسباب خذلانهم، وليس شيء من ذلك بمقتضى كون السؤال معصية، فإن العقوبات الدنيوية وحرمان الفضائل ليست من آثار خطاب التكليف، ولكنها من أشباه خطاب الوضع ترجع إلى ترتب المسببات، على أسبابها، وذلك من نواميس نظام العالم، وإنما الذي يدل على كون المجزي عليه معصية هو العقاب الأخروي ".
ومن أمعن في ألفاظ الآية وما توحيه من ملابسات هذا القول الصادر منهم يدرك أنه ناشئ عن تعنتهم في الكفر، وإمعانهم في الصدود، وإغماضهم أبصارهم عن آيات الله الداعية إلى الإيمان، فاستخفافهم بالنعمة جلي في مقولتهم هذه، وكفى بذلك معصية؛ كيف وقد يسرها الله تعالى لهم بطريقة غير عادية هي أدعى إلى الإيمان والشكر؟ ولا نسلم أن ما عوقبوا به من ضرب الذلة والمسكنة عليهم لا يتعدى أن يكون من الأمور العادية المترتبة على مخالفة نظام الحياة فحسب بدليل قوله تعالى: { ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله } ، وما إنزال المن والسلوى عليهم وهم في التيه إلا من تلك الآيات التي كفروا بها إذ لم يقدروها حق قدرها، فلم يعتبروا بها، بل بقو في عمامهم يترددون وفي ضلالتهم يعمهون، وفي شكهم يغدون ويروحون، وليس أدل على شكهم من هذا الطلب ونحوه، وكفى به إثما مبينا.
ولم أجد دليلا على ما قاله الإمام ابن عاشور بأن الله لم يرهم ما عودهم من إنزال الطعام وتفجير العيون بعد أن كان منهم هذا السؤال، وما ذكره من القصة المشار إليها بالآية في التوراة دال على استمرار إرسال السلوى عليهم.
صفحه نامشخص