جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس
[الروم: 41]، وهو معهود عندما تنتشر المعصية ولا تجد مقاومة من أحد.
[2.61]
الآية تضع أمامنا صورة من صور التعنت الإسرائيلي، وضربا من ضروب الانحراف الفكري والسلوكي عند اليهود، فبعد أن أطلقهم الله من قيود الذل وأغلال الهوان الذي كابدوه ردحا من الزمن في ظل الحكم الفرعوني الرهيب، ونقلهم إلى فسيح الحرية ومشارف العز اشتقات نفوسهم المأفونة الى حيث كانوا، مؤثرين التمرغ في أوحال الهوان والانغماس في حمأة الذل مرة أخرى على ما هم فيه من بحبوحة الخير، ورفعة القدر، ونعمة الحرية، وفي هذا يقول الزمخشري: " كانوا فلاحة فنزعوا إلى عكرهم، فأجموا ما كانوا فيه من النعمة وطلبت أنفسهم الشقاء ".
وأصل هذا الكلام مروي عن قتادة؛ ورده الأستاذ الإمام بأنه لو كان الحامل لهم على ذلك هو تمكن العادة من نفوسهم فلما خرجوا منها وجاءهم ما لم يكونو يألفون نزعوا الى ما كانوا قد عودوه من قبل, لكان في ذلك التماس عذر لهم، ولما عد الله هذا القول في أخطائهم، لأن السآمة من تناول طعام واحد قد يكون من لوازم الطباع البشرية إلا ما شذ منها لعادة أو ضرورة، ولا يعد ما هو من منازع الطباع حراما إذا لم يسقط ذلك في محظور.
ثم قال: وسياق الآيات قبلها وما يلحق بعد ذلك من قوله تعالى: { وإذ أخذنا ميثاقكم... } الخ كل ذلك يدل على أن ما عدد من أفاعيلهم مع تظافر الآيات بين أيديهم، وتوارد نعم الله عليهم كله من خطاياهم، ومن ذلك قوله تعالى: { وإذ قلتم ياموسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها وعدسها وبصلها } ويؤكد ذلك إيراد تلك العقوبة الشديدة من ضرب الذلة والمسكنة، واستحقاق غضب الله تعالى عقب مقالهم هذا ".
قال: " والذي يقطع عليهم الفهم من الآية أن النزق قد استولى على طباعهم، وملك البطر أهواءهم حتى كانوا يستخفون بذلك الأمر العظيم الذي هيأهم الله له من التمكن في الأرض الموعودة والخروج من الخسف الذي كانوا فيه، ومع كثرة ما شاهدوا من آيات الله القائمة على صدق وعده لهم لم تستيقنه أنفسهم، بل كانوا على ريب منه، وكانوا يظنون أن موسى عليه السلام خدعهم في إخراجهم من مصر وجاء بهم إلى البرية ليهلكهم فلذلك دأبوا على إعناته والإكثار من الطلب فيما يستطاع وما لا يستطاع حتى ييأس منهم فيرتد بهم إلى مصر حيث ألفوا الذلة ولهم مطمع في العيش وأمل في الخلاص من الهلكة، فما ذكره الله عنهم في هذه الآية على حد قولهم: { لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة } ويرشد إلى ما فيه من الإعنات قولهم: { لن نصبر على طعام واحد } فقد عبر عن مسألتهم بما فيه حرف النفي الذي يأت لسلب الفعل في مستقبل الزمان مع تأكيده، فكأنهم قالوا: اعلم أنه لم يبق لك أمل في بقائنا معك على هذه الحالة من التزام طعام واحد، فإن كانت لك منزلة عند الله كما تزعم فادعه يخرج لنا ما يمكن مع أن نبقى معك إلى أن يتم الوعد الذي وعدك ووعدتنا، وهم يعلمون أنهم كانوا في برية غير منبتة وربما لم يكن قولهم هذا عن سآمة ولا أجم من وحدة الطعام، ولكنه نزق وبطر - كما بينا - وطلب للخلاص مما يخشونه على أنفسهم، ويؤيد ذلك ما هو معروف في أخبارهم ".
ويتبين لكم من هذا التحرير أنهم كانوا عصاة متمردين بهذا السؤال، وهو رأي الجمهور، ويدل على صحته استنكار موسى عليه السلام لسؤالهم، ووصفه لهم باختيار الأدنى على الذي هو خير، وذلك في قوله: { أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير } ، ويؤيده ما ذكر عقب ذلك أنهم ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من الله، وما هو إلا عقوبة هذا التعنت وضريبة هذه المكابرة، كما يؤيده ما اختتمت به الآية من تقرير كفرهم بآيات الله وقتلهم النبيين بغير الحق، وما كانوا عليه من العصيان والإعتداء.
وذهب الفخر الرازي إلى أنهم لم يعصوا قط بهذا السؤال، وعلل ذلك بأشياء:
أولها: أنهم ما تناولوا ذلك النوع الواحد أربعين سنة ملوه فاشتهوا غيره.
صفحه نامشخص