535

وذكر الله تعالى أن هذا الاستسقاء من موسى لأجلهم مع أنه كان بينهم يحتاج إلى ما يحتاجون إليه من السقيا تنبيها على أنه لم يستسق إلا لطلبهم وإلحاحهم، وإلا مضى في السبيل الذي أمره الله بسلوكه غير لاو على شيء من حاجات الدنيا توكلا على الله وثقة بأنه سبحانه سيهيء له ما يحتاج إليه من ضرورات الحياة ما دام مقبلا عليه ومتبعا لسبيله، وهذه هي ثقة النبيين، وهذا إيمان المرسلين، فإنهم لا يهمهم إلا امتثال أمر الله واتباع مراشده.

واختلفوا في الحجر الذي أمره الله أن يضربه بعصاه؛ قيل: هو ما شاء من الأحجار، وقيل: هو الحجر الذي مشى بثوبه - حسبما قيل - وقيل: هو حجر آخر خاص حجمه كرأس الشاة يحملونه معهم إذا ارتحلوا، ويضعونه بينهم إذا نزلوا، فإذا احتاجوا الى السقي ضربه موسى بعصاه فتفجرت منه العيون، وإذا رووا واكتفوا ضربه كذلك فانقطع منه الجري، وقد تقدم أنه جاء في التوراة بأنه صخرة في حوريب، وهي بقعة بطور سيناء -؛ وعلى الأول فالتعريف للجنس، ويرجحه أن الجنس أسبق من غيره في التعارض، وهو كذلك أدخل في الإعجاز، فإن ضرب أي حجر كان أدل على القدرة وأدعى إلى الاستغراب من ضرب حجر بعينه وعلى الثاني فالتعريف للعهد وهو ذهني لعدم سبق ذكر للمعهود.

والانفجار هو الانصداع ويعبر عنه بالانبجاس كما في سورة الأعراف، وفرق بعضهم بينهما بأن الانبجاس أول خروج الماء والانفجار اتساعه وكثرته، وعلى التفريق فلا تضاد بين العبارتين لوقوع الأمرين في القصة.

والعين هي منبع الماء وتجمع على عيون قياسا وعلى أعين سماعا.

وأنكر بعض الطبعيين صحة هذه القصة لمخالفتها ما استقرت عليه عادة الأشياء بحسب طبائعها المألوفة، وهو جهل عظيم بقدرة الخالق الذي طبع الكون بحسب نواميسه المألوفة وهو القادر على خرق تلك النواميس وإحالة تلك الطبائع إذا ما أراد ذلك، على أن أفراد الجنس الواحد تكون لها طبائع شتى مختلفة باختلاف ما جعل الله فيها من الخاصية فطبائع الأحجار ليست واحدة فمن الأحجار ما هو حالق للشعر لا يكاد يدنو منه حتى يحلقه، ومنها ما هو مغناطيسي إذا قرب من الحديد جذبه إليه فما المانع عقلا من أن يودع الله هذا الحجر خاصية اجتذاب الماء من جوف الأرض حتى يتفجر منه عيونا أو ارتشاف الهواء الندي من الكرة الأثيرية وتكييفه حتى يخرج منه سلسبيلا عذبا.

وتعدد العيون إلى اثني عشر عينا للحكمة التي أشرت إليها في أول تفسير الآية، وهي أن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطا، فلو جرت لهم عين واحدة فحسب أدى ذلك إلى التسابق إليها والتقاتل عليها حرصا من كل طائفة أن تكون هي السابقة في الورد، أما وقد تعددت العيون بعدد الأسباط وعرف كل سبط - وعبر عنه بأناس - مشربه فلا داعي إلى الشقاق لعدم الإحتكاك بين الأسباط واتساع الموارد واختصاص كل سبط بمورده، والتلاحم الأخوي بين أفراد السبط الواحد يرفع عنهم الخلاف والنزاع في الورد.

والأمر بالأكل والشرب للإباحة المصحوبة بالامتنان، ورزق الله مما أنزله عليهم من المن والسلوى، وفجره لهم من الماء؛ وأضيف الرزق إلى اسم الجلالة، ولم يضف إلى الضمير ليوافق " قلنا " للتنبيه بأن هذا الخطاب وجه إليهم بلسان موسى عليه السلام.

و " تعثوا " كترضوا، ماضية عثى كرضى، ومضارعه يعثى كيرضى، وقياس مصدره عثا على وزن فعل - بالتحريك - غير أن هذا المقيس لم ينقل عن العرب، وإنما المنقول عنهم عثى - بكسر العين وضمها وتشديد الياء - وعثيان - بالتحريك - هذه هي لغة أهل الحجاز، وعليها أجمع القراء، أما عند غيرهم فهو عثا يعثو عثوا، نحو سما يسمو سموا، وأصله مطلق الإفراط، وغلب على الإفراط في الفساد، وقيل وهو أشد الفساد، وقيل مطلقه، وعلى الأول فالحال مبينة، وعلى الأخيرين مؤكدة، وحمله الزمخشري على التمادي، وعليه فإن المنهي عنه استمرارهم في الفساد الذي هم واقعون فيه، ويستنتج - على هذا الوجه، وعلى بعض الوجوه السابقة - من هذا النهي أنهم كانوا موغلين في الغي، منهمكين في الفساد - كما هو واضح مما وصفوا به في الآيات السابقة وغيرها - فنهو عن الاستمرار في هذا الغي، والتمادي في هذا الفساد في معرض الامتنان عليهم بما هم في أشد الحاجة إليه من الطعام والشراب اللذين ساقهما الله إليهم من غير عناء ولا تكلف ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة والامتثال، فإن من شأن المأمور أن يبادر إلى طاعة الآمر، ويتحرى مرضاته عندما يشعر بسوابغ نعمه تحيط به من كل جانب في حال هو فيها أشد ما يكون حاجة إليها، ولكن بني اسرائيل - بما ران عليهم من الضلالة وتراكم على نفوسهم من الهوى - تعفنت فطرهم وخبت عقولهم فلم تزدهم المواعظ إلا بعدا عن الحق ولم يزدهم التذكير إلا ظلما وعتوا.

وبهذا الذي قررته يندفع ما قد يخطر ببالكم من التساؤل؛ لماذا نهو عن أشد الفساد والإفراط فيه، أو عن التمادي عليه مع وجوب اجتناب الفساد قليله وكثيره وعدم الوقوع فيه رأسا؟ ولعل من فسر العثى بمطلق الفساد نظر إلى الاشتقاق الكبير الذي يجمع بين عثى وعاث مع أن عاث بمعنى أفسد.

والأرض المقصودة هنا هي أرض التيه، لأن شكر النعمة ينعكس أثره الإيجابي على الأرض التي يحلها الشاكر لما يصدر عنه من خير وصلاح، وكذلك كفرها ينعكس أثره السلبي على موضع حلول الكافر لما يقع منه من شر وفساد، ويجوز أن يراد بالأرض الكرة الأرضية بجميع أجزائها لأن تمادي الناس على الضلالة، وتواطؤهم على الفساد يسكبان الشر الوبيل عليها جميعا:

صفحه نامشخص