جواهر التفسیر
جواهر التفسير
والحطة مصدر دال على الهيئة من حط يحط بمعنى أسقط، واختلف في المراد بها؛ قيل: إنها بمعنى حط الأوزار، وعليه فيقدر مبتدأ محذوف، أي مسألتنا حطة، وهو تعبير عن طلبهم الله أن يحط أوزارهم، ولما كان هذا المصدر بصيغة فعلة - بكسر الفاء - الدالة على الهيئة، حمل على طلب نوع عظيم من الحط، وهو حط كبار الأوزار، ويعني ذلك اعترافهم بارتكابهم الكبائر مع سؤالهم غفرانها، وقيل: يقدر أمرنا حطة، وهو محمول على أنهم مأمورون بأن يعبروا عما هم مأمورون به وواجب عليهم امتثاله من حط الرحال في تلك القرية تعبيرا عن الامتثال.
والقول الأول أشهر، أخرجه ابن جرير عن الحسن وقتادة، وأخرج معناه عن ابن عباس وابن زيد والربيع وعطاء بألفاظ مختلف منها أن الحطة عبارة عن الاستغفار وذلك ليجمعوا بين خشوع القلب وخضوع الجوارح، والاستغفار باللسان، وجنح الى هذا الرأي الفخر الرازي، وقال: إنه أحسن الوجوه وأقربها الى التحقيق، وعليه اعتمد ابن جرير، ولا داعي إلى اعتبار العبارات المختلفة المحكية عن السلف، والمؤثرة في الكتب - مع اتفاقها في هذا المعنى - آراء متبانية فإن الخلف في ذلك لفظي فحسب، وتعضد هذا الرأي قراءة من نصب حطة ولو كانت شاذة كما يدل عليه قول الشاعر:
فاز بالحطة التي جعل الله
بها ذنب عبده مغفورا
ولا يعد مخالفا لهذا الرأي ما أخرجه البيهقي في الأسماء والصفات عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرجه ابن جرير وابن أبي حاتم وعبد بن حميد عن عكرمة أنهم أمروا أن يقولوا: لا إله إلا الله، لأن قولهم ذلك إثر ما تتابع من معاصيهم وتكرر من عنادهم لجوء إلى الله وإعلان للتوبة وطلب لمغفرة الخطايا إن قالوها من أعماق نفوسهم دائنين بما تقتضيه من الانقياد المطلق لواجب الوجود الذي أسبغ نعمه عليهم وعلى كل موجود سبحانه وتعالى.
وقال الإمام محمد عبده: " المراد بالحطة الدعاء بأن تحط عنهم خطايا التقصير وكفر النعم ".
وبناء على ما سبق نقله عن الإمام ابن عاشور في تفسير القصة ذهب إلى أن كلمة حطة ما أن تكون كلمة معروفة في ذلك المكان للدلالة على العجز أو أنها من أقوال المتسولين والشحاذين كي لا يحسب لهم أهل القرية حسابا ولا يأخذوا حذرا منهم فيكون القول الذي أمروا به قولا يخاطبون به أهل القرية، وضعف ابن عاشور القولين الأولين لاستبعاده الدعاء بمصدر مرفوع، وهو مع التأمل غير بعيد في بعض الأحوال لورود مثله في الطلب، كقول الشاعر:
شكا إلي جملي طول السرى
صبر جميل فكلانا مبتلى
والعدول عن النصب إلى الرفع لما يفيده من الثبوت والدوام.
صفحه نامشخص