531

وقد اتضح لكم مما ذكرته أن الأمر بالأكل للإباحة، وإن كان معطوفا على الأمر الواجب، وهو الأمر بالدخول، لأن الجامع بينهما مطلق الطلب.

واختلف في الباب الذي أمروا بدخوله؛ فقيل هو باب القرية، وقيل هو باب من أبواب بيت المقدس، روى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وغيره، وورى عنه أنه قال: يعرف اليوم بباب حطة، وقد تعاقب المفسرون زمنا بعد زمن على نقل ذلك عنه والاعتماد عليه، فكانوا يقولون إنه يعرف اليوم بباب حطة، وممن قال ذلك الألوسي في تفسيره، وهو من علماء القرن الثالث عشر، وهذا من التقليد الأعمى، فإن من شأن الأحوال أن تتحول، فلا بد - مع مضي العصور - أن تتغير الأبواب وتختلف الأعراف، وقيل هو باب القبة التي كان يتجه إليها موسى وهارون عليهما السلام في صلاتهما، وقيل: ليس المراد بالباب حقيقته المعروفة وإنما يراد به مدخل إلى القرية، وقد وصفه بعضهم بأنه مدخل بين جبلين.

أمروا أن يدخلوا سجدا تواضعا لله وشكرا له على ما أنعم به من نعمة الاستخلاف في الأرض، واختلف في المراد بالسجود؛ قيل: هو طأطأة الرأس وحني الظهر تواضعا له سبحانه، وسمي سجودا لما فيه من الخضوع للمقام الأعلى، (وأصل السجود) الانحناء لمن سجد له معظما بذلك، فكل منحن لشيء تعظيما له فهو ساجد، ومنه قول الشاعر:

بجمع تظل البلق في حجراته

ترى الأكم فيه سجدا للحوافر

يعني بقوله سجدا خاشعة خاضعة ، ومن ذلك قول أعشى ابن قيس بن ثعلبة:

يراوح من صلوات الملي

ك طورا سجودا وطورا جؤارا

وهو معنى ما رواه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال في (سجدا) ركعا، وحمل بعضهم السجود على ظاهره، واعترض بأن السجود سكون، والدخول حركة فيتعذر أن يجتمعا، وقال الزمخشري أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكرا لله وتواضعا؛ واعترضه أبو حيان بأن ما ذكره ليس مدلول الآية لأنهم لم يؤمروا بالسجود في الآية عند الانتهاء إلى الباب، بل أمروا بالدخول في حال السجود، فالسجود ليس مأمورا به، بل هو قيد في وقوع المأمور به وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية، والأوامر نسب إسنادية، فتناقضتا إذ يستحيل أن يكون الشيء تقييديا اسناديا لأنه من حيث التقييد لا يكتفى كلاما، ومن حيث الإسناد يكتفى، فظهر التناقض، ورده الشوكاني بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال اخرج مسرعا فهو آمر بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفا للأمر، ولا ينافي هذا كون الأحوال نسبا تقييدية، فإن اتصافها بكونها قيودا مأمورا بها هو شيء زائد على مجرد التقييد.

وللإمام ابن عاشور في هذا الأمر بالسجود تفسير يتلاءم مع ما ذكرته من قبل عنه في تفسير الأمر بدخول القرية، وحاصل ما قاله أن المقصود بالسجود مطلق الانحناء لإظهار العجز والضعف كي لا يفظن لهم أهل القرية، وهو مما تقتضيه مهمة التجسس التي بعثوا من أجلها، واستبعد أن يكون السجود المأمور به سجود شكر، لأنهم كانوا عيونا ولم يكونوا فاتحين، واستظهر مما جاء في الحديث الصحيح أنهم بدلوا وصية موسى فدخلوا يزحفون على أستاههم أنهم أرادوا إظهار الزمانة فأفرطوا في التصنع بحيث يكاد أمرهم يفتضح لأن بعض التصنع لا يستطاع استمراره.

صفحه نامشخص