جواهر التفسیر
جواهر التفسير
فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين
[المائدة: 26]، أما هذه القصة فهي قصة دخولهم الأرض المقدسة بعد مقاتلهم للجبارين في عهد يوشع عليه السلام، وذلك بعد خروجهم من التيه، وكان هذا الأمر على لسان يوشع، وهذا هو الذي يتعين في الجمع بين شتات هذه المحكيات.
وقيل هي أريحاء، وهي قريبة من بيت المقدس، روى ذلك ابن جرير عن ابن زيد، وبه صدر القطب - رحمه الله - في هيميانه وتيسيره، وذهب بعضهم إلى أن هذا الأمر نفسه كان على لسان موسى ، وأنه عين ما ذكر في سورة المائدة وأن مخالفتهم له هي المقصودة بالتبديل، وقيل: إن المراد بالقرية الشام كله، وهو قول ابن كيسان، وقال الضحاك هي الرملة، والأردن، وفلسطين، وتدمر.
وذهب الامام ابن عاشور إلى أن القرية هي مدينة حبرون، وأن المأمورين بدخولها اثنا عشر رجلا بعثهم موسى عليه السلام عيونا إلى أرض كنعان ليكتشفوا خبرها وذلك أن بني اسرائيل عندما طوحت بهم الرحلة إلى برية فاران نزلوا بمدينة قادش فأصبحوا على حدود أرض كنعان التي هي الأرض المقدسة التي وعدها الله بني اسرائيل، وذلك في أثناء السنة الثانية بعد خروجهم من مصر، فأرسل موسى هؤلاء الاثني عشر اختارهم من جميع الأسباط من كل سبط رجل وكان فيهم يوشع بن نون وكالب بن بفنة فصعدوا وأتوا إلى مدينة حبرون، فوجدوا الأرض ذات خيرات، وقطعوا من عنبها ورمانها وتينها، ورجعوا لقومهم بعد أربعين يوما وأخبروا موسى وهارون وجميع بني اسرائيل وأروهم ثمر الأرض، وأخبروهم أنها حقا تفيض لبنا وعسلا غير أن أهلها ذوو عزة ومدنها حصينة جدا، فأمر موسى كالبا فأنصت بني اسرائيل إلى موسى، وقال: إننا نصعد ونمتلكها، وكذلك يوشع، أما العشرة الآخرون فأشاعوا في بني اسرائيل مذمة الأرض، وأنها تأكل سكانها، وأن سكانها جبابرة، فخافت بنو اسرائيل من سكان الأرض وجبنوا عن القتال، فقام فيهم يوشع وكالب قائلين لا تخافوا من العدو فإنهم لقمة لنا والله معنا، فلم يصغ القوم لهم، وأوحى الله لموسى أن بني اسرائيل أساءوا الظن بربهم وأنه مهلكهم، فاستشفع لهم موسى فعفا الله عنهم.
ولكنه حرمهم من الدخول إلى الأرض المقدسة أربعين سنة يتيهون فلا يدخلها أحد من الحاضرين يومئذ إلا يوشعا وكالب، وأرسل الله على الجواسيس العشرة المثبطين وباء أهلكهم.
وذكر أن هذا التفسير الصحيح المنطبق على التأريخ الصحيح، وطبق ابن عاشور نصوص القرآن الواردة في هذه القصة على هذا الذي ذكره منقولا من مصادر أهل الكتاب.
وقوله تعالى: { فكلوا منها حيث شئتم رغدا } دال على أن هذه القرية جعلها الله لهم مآبا ومنقلبا ، فلذلك أباح لهم الأكل منها حيث شاءوا وإذا ما قارنتم ذلك بقوله تعالى في الأرض المقدسة:
التي كتب الله لكم
[المائدة: 21] اتضح لكم أن هذا القرية هي نفس الأرض المقدسة، ولأجل ملاحظة هذا المعنى قال من قال إنها جميع بلاد الشام ذلك لأن بني اسرائيل استخلفهم الله فيها فكانت موطن عزهم وتخت مملكتهم.
وتوقف الإمام محمد عبده عن تعيين هذه القرية، وقال: " نسكت عن تعيين القرية كما سكت القرآن، فقد أمر بنو إسرائيل بدخول بلاد كثيرة، وكانوا يؤمرون بدخولها خاشعين لله، خاضعين لأمره مستشعرين عظمته وجلاله، ونعمه وأفضاله ".
صفحه نامشخص