533

وعدوا على امتثال ما أمروا به غفران الخطايا - وهي جمع خطيئة - وهو فوز كبير، ونعمة جلى، ومطلب لكل عاقل، فبحسب الإنسان نعمة بالغة تكفير خطاياه الموبقة، وتنجيته من عواقبها المهلكة، ومع ذلك وعدوا زيادة في الأجر على الإحسان إن أحسنوا، وهو محتمل بأن يكون أجرا دنيويا بزيادة الفتوح والتمكين في أنحاء الأرض، أو أخرويا بزيادة الدرجات في الدار الآخرة، أو كلا الأمرين، وهو الظاهر، غير أنهم لشر منزعهم، وفساد طباعهم، وانحراف فطرهم بدأبهم على التمرد والعصيان أضاعوا هذه الفرصة، وزهدوا في ما وعدوا به، فانقلب الوعد وعيدا، وتحولت النعمة إلى نقمة، ذلك بأنهم كفروا نعمة ربهم، وهكذا تكون عاقبة الكنود الجحود، فقد بدل أولئك قولا غير الذي قيل لهم، وذلك أنهم دخلوا زاحفين على أستاههم وهم يقولون: حبة في شعرة، أخرج ذلك الشيخان وابن جرير وابن المنذر عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم، وأخرج ابن جرير وابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما مرفوعا أنهم دخلوا يقولون: حنطة في شعيرة.

وروي عن ابن مسعود رضي الله عنه أنهم قالوا: حنطة حمراء فيها شعيرة، وعن ابن عباس أنهم قالوا: حنطة، والروايات في ذلك متعددة، والجمع بينها محتمل بأن يكونوا قالوا كل ذلك سخرية واستخفافا، وقد أخذ بهذه الروايات جمهور المفسرين، وخالفهم أبومسلم الأصفهاني من المتقدمين، فحمل التبديل على مطلب المخالفة سواء دخلوا على غير الوجه المطلوب أو لم يدخلوا رأسا، لأن في كل ذلك تبديلا لما أمروا به، فهو تبديل لقول الله، واستشهد لتفسيره هذا بقوله تعالى:

سيقول المخلفون إذا انطلقتم إلى مغانم لتأخذوها ذرونا نتبعكم يريدون أن يبدلوا كلام الله

[الفتح: 15] فإن التبديل المقصود هنا لا يقصد به وضع كلمة مكان أخرى ، وما هو إلا مجرد مخالفتهم لحكم الله، وانتقد الألوسي قول أبي مسلم وقال: " ظاهر الآية والأحاديث تكذبه ".

ووافق أبا مسلم من مفسري المتأخرين الإمامان محمد عبده ومحمد رشيد رضا في سورتي البقرة والأعراف، وقد عد الإمام محمد عبده الروايات المنقولة من الإسرائيليات التي لا يجوز أن يحشى بها تفسير كلام الله، ووجه السيد محمد رشيد كلامه بما حاصله أن حديث أبي هريرة وإن روى في الصحيحين لم يثبت رفعه لاحتمال أن يكون أبو هريرة سمعه من كعب الأحبار لعدم تصريحه بسماعه من النبي صلى الله عليه وسلم، على أن راويه عن أبي هريرة همام بن منبه أخو وهب وهما صاحبا الغرائب في الإسرائيليات.

وهذا ليس بشيء، فإن أبا هريرة رضي الله عنه صرح - كما في رواية البخاري في التفسير وأحاديث الأنبياء - بإسناد هذا القول إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فلم يبق مجال للشك الذي ذكره صاحب المنار.

والرجز العذاب وبه فسره قتادة أخرجه عنه ابن جرير، وأخرج عن أبي العالية أنه الغضب، وعن ابن زيد أنه الطاعون، ولا تعارض بين هذه الأقوال، فالطاعون من أنواع العذاب الذي يصيب الله به الأمم، وعندما يكون عقوبة على معصية فهو مقرون بغضب الله، وقد ثبت عن أسامة بن زيد، وسعد بن مالك، وخزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

" إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم "

ولا ينافي ذلك ما ثبت علميا أنه ينشأ عن تلوث البيئة، فإن الله سبحانه هو الذي يهيئ لكل أمر أسبابه، فإذا أراد عقوبة قوم بما قدمت أيديهم هيأ لها أسبابها عادية كانت أو غير عادية، وتعيين الرجز أنه من السماء إنما هو لما اعتيد عند الناس من جعل السماء مصدرا للنوازل، وتوقف الإمام محمد عبده عن تعيين الرجز وقد سبقه إلى ذلك الإمام ابن جرير في تفسيره.

وإسناد التبديل إلى الذين ظلموا للإفادة بأنه ظلم، وكذلك قوله: { فأنزلنا على الذين ظلموا } - مع إمكان الاستغناء بالضمير لو قيل فأنزلنا عليهم - للافادة بأن ظلمهم سبب لإنزال الرجز، لأن الحكم على المشتق يؤذن بعليته، والإسم الموصول وصلته في حكم المشتق، وأجاز الإمام محمد عبده أن يكون ذكر الذين ظلموا في الموضعين للإفادة بأن التبديل وإنزال الرجز خاصان بطائفة منهم دون سائرهم.

صفحه نامشخص