جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون
[آل عمران: 117].
وبهذا يتبين بعد البون بين حال أمتي محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، فنبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بعث في أمة بدائية ليس لها عهد بالنبوات منذ أمد بعيد، وقرن بمعجزة معنوية - وهي القرآن الذي بعث به - لا كمعجزات موسى عليه السلام التي كانت تدرك بالحواس، وتتجلى لجميع الناس، كاليد والعصى، وفرق البحر، ونزول المن والسلوى، ومع ذلك لم تلبث هذه الأمة التي بعث فيها - عليه الصلاة والسلام أن انقادت لأمره واضطلعت بأمانته، فكان كل فرد منها كأنه رسول بعث إلى أمة، يجسد بفعله وقوله قيم الدين ومبادئ الحق مع ما كان منها - بادي الأمر - من مجاهرة أكثرها بعدائه صلى الله عليه وسلم، ومناصبته الحرب، ومعاكسته في الأمر، ولعمري إن هذا التحول السريع في مدة عقدين من السنين قضاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني هذه الأمة مبلغا دعوة ربه، ومجاهدا في سبيله، لدليل كاف أن الله سبحانه أعدها بتزكية فطرتها، وتنوير بصائرها، لحمل أمانة الرسالة الخاتمة الجامعة، ولأن تكون أمة وسطا شهيدة على سائر الأمم.
والأمر في قوله سبحانه: { كلوا من طيبات ما رزقناكم } للامتنان ذلك لأن الموهوب يشعر بجسامة ما أنعم به الواهب إذا صرح له للانتفاع به، واستظهر منه بعض العلماء أنه لا يجوز لمن أحضر له الطعام أن يأكل منه حتى يؤمر الأكل، والصحيح أن العرف كاف في إباحة الأكل في مثل هذه الحالة، والمسألة ونظائرها مبسوطة في كتب الفقه، والمراد بقوله: { وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون } أن عاقبة ظلمهم لم تعد إلا على أنفسهم، فالعبد وإن تطاول على ربه بأنواع المعاصي وصنوف الكفران فإنه لا يضر بذلك إلا نفسه، والله أجل من أن يلحقه ضرر أو يناله مكروه، ويجوز أن تكون هذه الجملة فذلكة لما وصفوا به من صفات الظلم من قبل، كاتخاذهم العجل، وسؤالهم الرؤية.
[2.58-59]
هذا تذكير بنعمة كفروها فعادت عليهم محنة وبلاء بعدما كانت يسرا وعطاء، وهكذا تنقلب النعمة إذا لم تشكر، وقد أجملت هذه القصة في هاتين الآيتين كما أجملت في أيتي (161، 162) من سورة الأعراف لأنها كانت معلومة للمخاطبين، فلم يكن داع لشرحها لأن المقصود مجرد تذكيرهم بها، وفي هذا الإجمال ما يكفي لأن يكون عبرة للمعتبرين.
ولم يتحد التعبير عنها هنا وفي سورة الأعراف، بل تجد تفاوتا في الموضعين في الترتيب، واختلافا في الألفاظ، وذلك لما سأبينه إن شاء الله هناك.
والقرية هي الأرض العامرة بالسكان المستقرة بأهلها ، مأخوذة من قريت الماء بمعنى جمعته في الحوض، وسميت بذلك لجمعها بيوتا وأسواقا ومعابد ومصانع، وغيرها، من المباني التي تعد من معالم الحضارة، وضرورات المدنية، وفي هذا ما يدل على أن اسم القرية غير خاص بالمجامع الصغيرة للناس، بل يطلق عليها وعلى المدن ذات العمران الواسع، وما تعورف عليه من التفرقة بين المدينة والقرية بأن الأولى هي المجمع الواسع الذي يضم عددا أكبر من السكان ودورا أوسع في العمران، والثانية ما كان على العكس من ذلك هو اصطلاح ناشئ لا تحمل عليه عبارات القرآن، بل استعمال القرآن يدل على خلاف ذلك، فإن الله سبحانه عندما يذكر أهل القرى يريد بهم أولئك الجبارين الذين استعلوا على الخلق، وأنفوا من الحق، وكذبوا الرسل، وعاثوا في الأرض فسادا، وأذلوا الناس بالقهر، وقد وصفهم عموما بأنهم كانت لهم حضارات راقية، وقوى مكينة واسعة، فاسمعوا إن شئتم إلى قوله:
ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السمآء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم
[الأنعام: 6]، وقوله:
صفحه نامشخص