جواهر التفسیر
جواهر التفسير
عسلا ناطفا وماء فراتا
وحليبا ذا بهجة ممرورا
وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن المن مصدر يعم كل ما من الله به على عباده من غير تعب ولا زرع، واستدلوا بما أخرجه الجماعة إلا أبا داود عن سعيد بن عمرو بن نفيل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:
" الكمأة من المن الذي أنزل الله على بني إسرائيل وماؤها شفاء العين "
واختلف في توجيه هذا الحديث، فقال بعضهم بأن الكمأة ذاتها مما أنزله الله على بني إسرائيل أي مما خلقه لهم في التيه، وقال آخرون: إنما أراد صلى الله عليه وسلم تشبيهها بالمن لأنها لا تحتاج إلى مؤونة ببذر ولا سقي ولا علاج.
والسلوى طائر يدعى السماني، وقيل: طائر يشبه السماني وليس به، والقولان أخرجهما ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج ثانيهما عن ابن مسعود رضي الله عنه، وطائفة من مفسري السلف؛ وقيل: السلوى العسل، روى ذلك عن مؤرج بن عمر السدوسي - أحد علماء اللغة والتفسير - واستدل له بقول الهذلي :
وقاسمها بالله جهدا لأنتم
ألذ من السلوى إذا ما نشورها
وانتقد هذا القول ابن عطية وادعى أن إجماع المفسرين على خلافه، وغلط الهذلي قائل البيت، وابن عطية هو الواقع في الغلط، فإن الهذلي هذا هو خالد بن زهير ممن يعتد بكلامه في اللسان العربي، واستدل ببيته هذا أئمة اللغة. كالمؤرج المذكور وابن سيدة والجوهري، وذكر المؤرج أن مجيء السلوى بمعنى العسل لغة كنانية؛ وإنما الأقرب أن تكون السلوى في الآية من أنواع الطير كما روي عن السلف، وذكروا أن ريح الجنوب كانت تسوقها إليهم في كل يوم فيأخذون حاجتهم منها ليومهم، ولا يدخرون إلا ليوم السبت، وإن ادخروا لغيره فسد المدخر كما هو الشأن في المن كذلك، وإنما يأخذون منهما في يوم الجمعة ما يكفيهم له وللسبت بعده لأنهم كانوا يتفرغون يوم السبت للعبادة ولا يبرحون أمكنتهم.
ومع ظهور هذه الآيات بجانب المعجزات السابقة لم يبرحوا حالتهم التي ألفوها، لأنهم ألفوا الشقاق، ومردوا عليه، فظلوا في تيههم يتخبطون إلى أن مات هارون ثم موسى - صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما - وهلك ذلك الجيل العاتي، ونشأ جيل جديد أسلم منه فطرة، وأسلس قيادا، وأوفى مروءة، وأرهف حسا، فقاتل به يوشع بن نون خليفة موسى - عليهما السلام - الجبارين، وفتح به الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فكان لهم التمكين في الأرض كما وعدهم الله حتى بدل أعقابهم وعادوا إلى ما كان عليه سلفهم الأولون من اللؤم والفساد، وقتلوا من قتلوا من النبيين، فأعقبهم الله ذلا وهوانا، وفتنة ودمارا، وهذه هي سنة الله في عباده
صفحه نامشخص