525

وتسميته غماما لأنه يغم السماء أي يسترها عن الأبصار، وزعم بعضهم أنه لم يكن غماما حقيقة، وإنما كان ظلا مشبها للغمام فسمي به، والصحيح خلاف ذلك، إذ لا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز إلا من قرينه تصرف اللفظ عنها إليه.

وعد هذا التظليل نعمة لأنه يقيهم لفح الشمس ووهجها، واستظهر بعض المفسرين من ذلك أنه كان بالنهار دون الليل، أما الليل فقد كان الغمام ينجلي فيه ليأنسوا بنور القمر، ولألاء النجوم في الصحو.

والمن - في قول أكثر المفسرين - مادة صمغية ذات حلاوة مع شيء من الحموضة لم تكن معهودة في بلاد الشام وما حاذاها، وإنما يكثر نزولها في تركستان، وقد أنعم الله به على بني اسرائيل في التيه فكان ينزل عليهم كالطل بين انشقاق الفجر وطلوع الشمس فيما عدا يوم السبت، وكان كل منهم يأخذ قدر صاع ليومه وليلته، ولا يدخرون منه إلا ليوم السبت.

ونقل الإمام ابن عاشور عن التوراة أنها وصفته بأنه دقيق مثل القشور يسقط ندى كالجليد على الأرض، وهو مثل بزر الكزبرة أبيض، وطعمه كرقاق بعسل، وأنهم كانوا يلتقطونه قبل أن تحمى الشمس لأنها تذيبه، فكانوا إذا التقطوه طحنوه بالرحى، أو دقوه بالهاون وطبخوه في القدور، وعملوه ملات، وكان طعمه كطعم قطائف بزيت.

وأخرج ابن جرير عن عبد الصمد قال: سمعت وهبا، وسئل ما المن؟ قال: خبز الرقاق مثل الذرة ومثل النقى، والظاهر أن وهبا استمد تفسيره هذا للمن مما جاء في التوراة من وصف طعمه أنه كرقاق بعسل فمراده تشبيهه بالرقاق وحذف آلة التشبيه.

وفسره الربيع بن أنس - فيما رواه عنه ابن جرير وابن أبي حاتم - أنه شراب كان ينزل عليهم مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، وقيل: هو العسل نفسه، روى ذلك ابن جرير عن عام وابن زيد، وهو يتفق مع ما قاله أمية بن أبي الصلت في وصفه، وهو:

فرأى الله أنهم بمضيع

لا بذي مزرع ولا مثمورا

فعناها عليهم غاديات

ومرى مزنهم خلايا وخورا

صفحه نامشخص