جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ويأتيه الموت من كل مكان وما هو بميت
[إبراهيم: 17].
وذكر هذه القصة وارد مورد الإمتنان عليهم كسائر هذه القصص المتتابعة مع ما فيها من النداء عليهم بسفاهة الأحلام، وضلال العقول، وفساد الفطرة، ومحط الامتنان قوله: { ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون }.
[2.57]
هذا تذكير بنعمة أخرى أسبغت عليهم في وقت كانوا فيه أشد فقرا إلى مثلها، إذ كان المحكى هنا عندما كانوا في التيه يترددون في حدوده لا يتجاوزونها، كأنما يدورون في حلقة مفرغة، وذلك عندما طالبهم موسى عليه السلام بمقاتلة الجبارين في أرض الشام فعتوا عتوا كبيرا، وقالوا له:
فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون
[المائدة: 24]، فظلوا يتخبطون في سيرهم، يتيهون في الأرض مدة أربعين عاما، لا يدرون المخرج من محبسهم، عقوبة من الله على عتوهم، وبجانب هذا التأديب الإلهي لهم كانت عين العناية ترعاهم، وسيوب الإحسان تغمرهم، ومن ذلك ما حكاه الله هنا من تظليل الغمام عليهم وإنزال المن والسلوى إليهم، وما حكاه من بعد من تفجير الأنهار لهم من الحجر الصلد؛ وأضاف المفسرون الى ذلك أنه تعالى سخر لهم عمودا من نور يستضيئون به، وأن ثيابهم كانت لا تبلى، وكانت تنمو بنمو أجسادهم، وهذا مما لم تثبت به حجة، والله على كل شيء قدير، لا يعجزه ذلك، كما لم يعجزه تظليل الغمام وإنزال المن والسلوى عليهم.
" وظللنا " معطوف على " بعثناكم " ، وقيل على " قلتم " ، والصحيح الأول لتناسبهما في كون كل منهما نعمة، واشتراكهما في إسنادهما الى الله بخلاف " قلتم " ، فإنه يفيد النداء عليهم بالحماقة والجهل ولا يبعد أن يكوت ترتب هذه الأحداث في الوقوع بحسب ترتيبها في الذكر، وهذا هو الظاهر، وخالف في ذلك العلامة ابن عاشور حيث قال: " والظاهر أن تظليل الغمام ونزول المن والسلوى كان قبل سؤالهم رؤية الله جهرة، لأن التوراة ذكرت نزول المن والسلوى حين دخولهم في برية سين بين إيلين وسيناء في اليوم الثاني عشر من الشهر الثاني من خروجهم من مصر حين اشتاقوا أكل الخبز واللحم لأنهم في رحلتهم ما كانوا يطبخون بل الظاهر أنهم كانوا يقتاتون من ألبان مواشيهم التي أخرجوها معهم، ومما تنبته الأرض، وأما تظليلهم بالغمام فالظاهر أنه وقع بعد أن سألوا رؤية الله لأن تظليل الغمام وقع بعد أن نصب لهم موسى خيمة الاجتماع محل القرابين ومحل مناجاة موسى وقبلة الداعين من بني إسرائيل في برية سيناء، فلما تمت الخيمة سنة اثنتين من خروجهم من مصر غطت سحابة خيمة الشهادة، ومتى ارتفعت السحابة عن الخيمة فذلك إذن لبني اسرائيل بالرحيل، فإذا حلت السحابة حلوا... الخ. كذا تقول كتبهم ".
وهذا الكلام لا يخلو من تناقض، فقد ذكر أولا أن تظليل الغمام ونزول المن والسلوى كانا قبل سؤالهم رؤية الله جهرة، ثم أتبعه أن تظليلهم بالغمام وقع بعد أن سألوا رؤية الله، ثم هو مخالف لما عليه المفسرون من أن ذلك حدث في التيه عندما امتنعوا عن مقاتلة الجبارين.
والغمام اسم جنس، واحده غمامة، كسحاب وسحابة، وزنا ومعنى، وقيل: هو السحاب الأبيض، وقيل: ما رق منه وبرد، وهو المروي عن مجاهد، ورده الإمام محمد عبده بأن السياق يقتضي كثافته إذ لا يحصل الظل الظليل الذي يفيده حرف التظليل إلا بسحاب كثيف يمنع حر الشمس ووهجها، وكذلك لا تتم النعمة التي بها المنة الا بالكثيف، وهو المنقول المعروف عند الإسرائيليين أنفسهم.
صفحه نامشخص