جواهر التفسیر
جواهر التفسير
أما الروايات المعزوة إلى السلف فليست وحدها حجة لعدم وثوق أسانيدها، وأما نصوص التوراة - بعدما دخلها التحريف والتبديل - فهي أضعف من أن تكون دليلا على شيء مع أنها لم تتفق على تحديد العدد بثلاثة آلاف، فقد جاء في بعض رواياتها أنهم كانوا ثلاثة وعشرين ألفا، ولا داعي إلى التفتيش عما طوى عنا القرآن علمه من هذه الأخبار، ولم يثبت بسند مقبول عن المعصوم عليه أفضل الصلاة والسلام، فإنه يفضي إلى الدخول في متاهات الأوهام، وحسبنا ذكرا وعظة ما قصة الله لنا من أن توبتهم كانت معقودة على دفع هذا الثمن الباهض لشططهم في الكفر، وغلوهم في التعنت؛ ثم تداركتهم عناية الله ولطفه فقبل توبتهم، وأذن برفع القتل عن بقاياهم، فكان القتل شهادة للمقتولين وتوبة للباقين: { إنه هو التواب الرحيم } تذييل لقوله: { توبوا } أو لقوله: { فتاب عليكم } وهو الأظهر.
[2.55-56]
هذه حلقة في سلسلة عنادهم المتطاول، وضرب من ضروب إخلادهم إلى الأباطيل في مواجهة الحق البين، والحقيقة الناصعة، فإنهم لم يكتفوا بما شاهدوه رأى العين من معجزات موسى الباهرة، وحججه القاهرة، التي يطمئن إليها كل ذي لب، ويهتدي بها كل من كان له قلب، أو ألقى السمع وهو شهيد، حتى جاهروا بهذا المطلب الذي لا يصدر إلا ممن لم يقدروا الله حق قدره، ولم يصفوه بما هو هل أهل من صفات الجلال والكبرياء ، وفي طي تذكيرهم بهذه الجريمة النكراء تذكير بنعمة أخرى من نعم الله المتلاحقة عليهم، وهي تداركهم باللطف بعدما حاق بهم العقاب الأليم اللائق بسوء ما ارتكبوه، ومحط هذا الامتنان قوله: { ثم بعثناكم }.
وتعدية نؤمن باللام لتضمنه معنى نقر، والمراد بعدم إيمانهم له عدم إيمانهم بما أنزل عليه من الكتاب، أو بأنه رسول من الله، أو بأن الله كلمه تكليما.
والجهرة هنا بمعنى العلانية كما أخرجه ابن جرير عن ابن عباس رضي الله عنهما، وأخرج عن الربيع وقتادة أنه بمعنى العيان، والمؤدى واحد، وإنما أوثرت كلمة " جهرة " على غيرها مما يؤدي مؤداها لتلاؤمها مع ما سبقها ولحقها في النظم، بجانب ما توحيه من وصف التعنت الذي كانوا عليه، وأصلها بمعنى الظهور، ومنه الجهر بالقراءة.
وانتصابها على المصدرية التأكيدية، فهي تجتث توهم أن تكون الرؤية المطلوبة منامية أو قلبية، وهذا أولى من دعوى أن النصب على الحالية بمعنى جاهرين بالرؤية، أو تقدير محذوف، أي ذوي جهرة.
واختلف في أصحاب هذه المقالة؛ فقيل: هم السبعون الذين اختارهم لميقات ربه، وقيل كانوا عشرة آلاف من بني اسرائيل، والأول أصح لقوله تعالى:
واختار موسى قومه سبعين رجلا لميقاتنا فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبل وإياي
[الأعراف: 155].
واختلف في هذا الميقات؛ قيل: إنه الميقات الذي كان بعد تنجيتهم من فرعون وآله الذي وعد الله موسى أن ينزل عليه الكتاب فيه، وقيل: هو ميقات آخر واعد الله فيه موسى ليجيئه بسبعين رجلا من بني إسرائيل يعتذرون إليه مما وقعوا فيه من عبادة العجل، ومهما يكن فإن الظاهر أن هؤلاء كانوا من أفضل بني إسرائيل حسب ظاهر حالهم، فلذلك اختيروا لما اختيروا له من الشهادة لموسى عليه السلام بإنزال التوراة عليه، أو للوفود على الله للاعتذار إليه، ومع ذلك قالوا ما قالوا من كلمة الكفر إذ علقوا إيمانهم لموسى على ما يستحيل على الله، وحسبكم ذلك دليلا على شر طباعهم وتعفن أفكارهم وبعد ضلالهم، بأن المراد بنظرهم نظرهم إلى أحوالهم، وما بقى في أجسامهم من أثر ولكن الحق تعالى لم يمهلهم في هذه المرة، بل صب عليهم سوط عذابه، وأذاقهم وبال ما ارتكبوه، إذ أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.
صفحه نامشخص