جواهر التفسیر
جواهر التفسير
إثما من الله ولا واغل
ولعل الذي سوغ التسكين في قراءة أبي عمر اجتماع ثقل الكسرة والهمزة مع توالي ثلاث حركات.
وفاء " فاقتلوا " للسببية كالتي قبلها، والسبب هو اتخاذ العجل إن قيل بأن القتل نفسه هو التوبة، وعليه فجملة " فاقتلوا " بدل من جملة " فتوبوا " أو التوبة إن قيل بأنه شرط من شروط صحتها، ككفارة الحنث، فإنها من شروط توبة الحانث وليست عينها، وهذا هو الأظهر لأن للتوبة أركانا معلومة تقدم ذكرها في تفسير قصة آدم، واختلفوا في حكم هذا القتل، قيل: بأنه خاص بهذه المعصية في هذه الواقعة بعينها، وقيل: بأنه تتوقف عليه توبة كل مرتد من بني اسرائيل حسبما شرع لهم، والأول هو الظاهر إذ لم يثبت أنهم أمروا بقتل أنفسهم في غير هذه الواقعة مع كثرة ما صدر عنهم من موجبات الكفر، كقولهم:
إن الله فقير ونحن أغنيآء
[آل عمران: 181].
وهذا الحكم يستحيل صدوره عن موسى عليه السلام من غير أن يستند فيه إلى وحي من الله لأن مما استقرت عليه العقول واتفقت عليه الشرائع وجوب المحافظة على سلامة النفس وبقاء حياتها إلا مع أسباب يستثنيها الشرع، وذلك بأن يكون القتل إما طهارة للنفس أو وقاية للمجتمع.
وقد تلقى بنو إسرائيل هذا الأمر بالامتثال لأنهم شعروا بفداحة ما ارتكبوه، وضلالة ما فعلوا كما قال سبحانه وتعالى فيهم:
ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا
[الأعراف: 149].
واختلف المفسرون في كيفية هذا القتل كما اختلفوا في العدد الذي وقع عليه القتل اختلافا كثيرا، قيل أمر عبدة العجل بأن يباشر كل منهم قتل نفسه بيده، وجمهور السلف على خلاف هذا القول حتى أن صاحب المنتخب حكى الإجماع على أنهم لم يؤمروا بقتل أنفسهم بأيديهم، وأنكر عليه أبو حيان في البحر المحيط دعوى الإجماع لوجود من قال بأنهم أمروا بمباشرة قتل أنفسهم من بين المفسرين، ولم ينفرد صاحب المنتخب بحكاية الإجماع في هذه المسألة، بل حكاه القرطبي أيضا، وقيل: بأن المراد بقتلهم أنفسهم هو قتل بعضهم بعضا، وهو المروي عن السلف، وعليه اقتصر المفسرون بالمأثور، وهو المتبادر، لأن الأمة الواحدة في تماسكها وترابطها كالنفس الواحدة والجسد الواحد في الشعور بالبؤس والنعيم، والعز والهوان، فإذا قتل أحد منها أخاه عد قاتلا لنفسه لأنه يصاب بفداحة الخسران منه كغيره من أبناء تلك الأمة، وكثيرا ما تراعي هذه الوحدة الشعورية الواجبة بين الأمة في الخطابات التشريعية لإثارة الإحساس بها، ومن ذلك قوله تعالى:
صفحه نامشخص