516

.................

وزججن الحواجب والعيونا

غير مسلم لأن جواز ذلك مشروط بوجود ما يدل على المراد من القرائن، كما في البيت إذ العيون لا تزجج بل تكحل ففهم منه أن فيه لفظا منويا تقديره (وكحلن العيونا) وليست في الآية قرينة يفهم منها هذا المعنى على أن لفظ الفرقان غير محصور في القرآن كما تبين، وقد قال عز من قائل: { ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضيآء وذكرا للمتقين }.

والظاهر أن المراد بالفرقان ما احتواه الكتاب نفسه من أحكام ومراشد مفرقة بين الحلال والحرام، وبين الحق والباطل، وهذا الذي اعتمده قطب الأئمة في الهيميان، والإمام محمد عبده في المنار، وجعله القطب - رحمه الله - من باب أعجبني زيد وحسنه، فإن الحسن مما اشتمل عليه زيد المعطوف عليه، وكذا الكتاب مشتمل على الفرقان المميز ويستأنس لهذا القول بما ذيلت به الآية وهو قوله: { لعلكم تهتدون } ، فإن ما في تضاعيف الكتاب من أحكام وحكم، ووعد ووعيد، وحجج وبراهين هو السبب للهداية المشار اليها، ومثل هذا مثل قوله تعالى في القرآن:

ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين

[البقرة: 2]، فإن احتواء القرآن على الحجج الناصعة، والأحكام البينة، والمعجزة الباهرة هو باب هدايته للمتقين، وكتب الله جميعا أنزلت لهذا الغرض، فهي ينابيع الهدى ومشارق الأنوار، ومصادر الأحكام، وسفن نجاة الناس من مخاطر تيارات الحياة المضطربة.

[2.54]

هذه الآية وما بعدها غير خارجة عن سياق الآيات السابقة واللاحقة، ففيها تذكير بني إسرائيل بنعمة الله التي أسبغها عليهم، وقد توهم بعض المفسرين أنهما مقطوعتان عن هذا السياق، وأن ما فيهما لا يعدو أن يكون تذكيرا بشر ما ارتضوه لأنفسهم من الكفر بعد الإيمان إذ اتخذوا العجل إلها من دون الله سبحانه، وجاهروا برفض الإيمان إذ اتخذوا العجل إلها من دون الله سبحانه، وجاهروا برفض الإيمان حتى يروا الله جهرة، وقد سرى إليهم هذا الوهم من اعتبارهم أن المعصية والعقوبة عليها لا يعدان من النعم، فالمعصية ناتجة عن الخذلان، وهو مغاير للتوفيق الذي يعد من أكبر نعمة الله على الإنسان، والعقوبة - سواء كانت إلهية محضة كالصعق أو كانت تكليفا إلهيا كالقتل - لا تعد إلا بلاء وشدة، فكيف تندرج مع الآلاء وتنتظم في سلك النعم، وقد غفل هؤلاء عن كون المعصية وعقوبتها لم تذكرا في هذه الآية والتي بعدها إلا ليبنى على ذكرهما ذكر ما وليهما من اللطف الإلهي الذي لولاه لما بقيت لبني إسرائيل باقية، ولما كان للمخاطبين - في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم المقصودين بهذا التذكير - وجود.

ومما هو غني عن الذكر أن الله سبحانه قدير على أن يجمع لهم - على هذا الإغراق في الضلالة واللجاجة في الكفر - عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، غير أنه تعالى لسعة عفوه وواسع حلمه جعل هذه العقوبة الدنيوية - وهي قتل أنفسهم - تكفيرا لما ارتكبوه، لأنها كانت علامة صدق توبتهم ومنتهى إذعانهم على أن من فضل الله عليهم أن رفع هذه العقوبة عنهم قبل أن تستأصل شأفتهم، فكان هذا الرفع نعمة دنيوية جديرة بأن تقابل بالشكر من السلف والخلف، ولا يستغرب أن يشار إلى النعمتين بكلمة العفو الدالة على قبول التوبة ورفع عقاب الدنيا مع الوقاية من عقاب الآخرة، فإن ذلك من الإيجاز المعهود في أساليب القرآن.

وما هذا العقاب الدنيوي إلا ضرب من ضروب التربية النفسية لهم، فإنهم قوم قست قلوبهم، وعتت نفوسهم، لما مردوا عليه من الكفر وألفوه من الضلالة، فكم عاندوا موسى عليه السلام وآذوه وأصروا على هوى أنفسهم واستكبروا استكبارا، وواجهو المعجزات الباهرة والآيات الظاهرة بالصدود والتكذيب، فكانوا أحرياء بأن يؤدوا ضريبة دموية تكون تطهيرا لخطاياهم وإصلاحا وتقويما لنفوسهم.

صفحه نامشخص