515

وليث الكتيبة في المزدحم

ورد بأن البيت فيه عطف صفات على صفة واحدة، وهي القرم مع وحدة الموصوف وهو الملك، فلا يجوز تخريج الآية عليه لما بينهما من الفارق، وأقرب من هذا البيت إلى الاستدلال لهذا القول قول الشاعر:

فألفى قولها كذبا ومينا...

غير أنه يمتنع تخريج الآية عليه كذلك، لأن القرآن الكريم بلغ من فصاحة القول وبلاغة الكلام ما لم يبلغه شعر ولا نثر، فمن المستحيل أن يعطف فيه لفظ على آخر من غير اشتمال هذا العطف على فائدة لا تحصل دونه، والكذب والمين معناهما واحد، فجمعهما في البيت لا يعدو أن يكون حشوا لا يجوز إلصاقه بالتنزيل، وللشعراء مذاهب يتوسعون فيها بما لا يجوز نحوه في المنثور البليغ محافظة منهم على روى الشعر ووزنه، ومثل ذلك لا يجوز تخريج الأسلوب القرآني عليه.

ومنها أنه هو النصر لأن الله سمى يوم بدر " يوم الفرقان " ، وفي معناه قول من قال إنه الفرج، واستدل لذلك بقوله تعالى:

يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا

[الأنفال: 29].

ومنها أنه فرق البحر واعترض بأنه سبق ذكره فلا داعي لإعادته ورد هذا الاعتراض بأن ذكره السابق كان في معرض الامتنان على بني اسرائيل بإنجائهم من فرعون وآله، وهو هنا في معرض الحديث عن الآيات التي أوتيها موسى عليه السلام.

ومنها أنه الآيات الخارقة التي كانت لموسى من العصى واليد وغيرهما لأنها فرقت بين الحق والباطل.

ومنها أنه القرآن لأن الله سماه الفرقان، وعليه فإما أن يكون المراد بإيتائه موسى إيتاءه ذكر نزوله على محمد صلى الله عليه وسلم حتى آمن به، وهو الذي حكاه ابن الأنباري، وإما أن يخرج الكلام على تقدير محذوف أي ومحمدا الفرقان، وهو محكي عن الفراء وقطرب وثعلب، وضعف هذا القول بكلا فرعيه أظهر من أن يحتاج إلى بيان، فإن من أوتي ذكر شيء لا يعد مؤتى ذلك الشيء بعينه، وإلا لكان كل شقي وسعيد أوتوا الجنة لأنهم قد أوتوا ذكرها فيما أنزله الله من وحيه، وفيما تتناقله الألسن عن النبيين، وتخريج الفرع الثاني من هذا القول على قول الشاعر:

صفحه نامشخص