جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ومآ أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير
[الشورى: 30]، والمراد بالعفو في هذه الآية قبول توبة بني إسرائيل من عبادتهم العجل، وثم هنا كسابقتها، إما أن تكون للمهلة الزمنية لأن قبوله تعالى التوبة منهم كان بعدما رجع موسى إليهم وأمرهم بقتل أنفسهم تكفيرا ليسئتهم، ولا يخفى ما بين الأمرين من المهلة؛ وإما للمهلة الرتبية، وقد أراد الله بها شد عقول السامعين إلى سعة حلمه وواسع مغفرته، فبعد هذا الغنت وهذه المكابرة للحق، ومغالطة الحقيقة من بني اسرائيل الذين بسط الله لهم نعمته، وأراهم في تنجيتهم من عدوهم آيته، قبل سبحانه توبتهم مع ما اقترفوه من الإشراك بالله، واتخاذ الند له تعالى.
وقد تقدم القول في لعل فيما تقدم من تفسير هذه السورة، كما تقدم القول في الشكر في تفسير الفاتحة الشريفة، وإنما بقى أن أضيف الى ذلك أن مادة الشكر تدل لغة على الظهور، فهي على النقيض من الكفر الدال على المواراة والإخفاء، ومن هذا الباب قولهم: " دابة شكور " اذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطى من العلف، والضدية المفهومة من هذين اللفظين لغة تنعكس عليهما اصطلاحا، فكما أن الشكر هو القيام بحقوق المنعم باستخدام نعمته في مراضيه، فكذلك الكفر هو التنكر لهذه النعمة بطمسها أو استخدامها فيما يسخط من أنعم بها، ويدل على هذا التقابل بينهما قوله تعالى حكاية عن عبده سليمان عليه السلام:
ليبلوني أأشكر أم أكفر
[النمل: 40]، وقوله في الإنسان:
إنا هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا
[الانسان: 3]، وقد اختلفت عبارات العلماء في الشكر وتحديد مفهومه، وهي ترجع إلى أصل واحد، فروى عن ذي النون المصري أنه قال: " الشكر لمن فوقك بالطاعة، ولنظيرك بالمكافأة، ولمن دونك بالإحسان " ، وروى عن الجنيد أنه سئل عن الشكر وهو غلام فقال: " أن لا يعصى الله بنعمه " ، وروى عنه أن حقيقة الشكر العجز عن الشكر، يعني الاعتراف التام بالعجز عن القيام بحقوق المنعم مع استقصاء الجهد في ذلك، وهذا كما روى أن داود عليه السلام عندما أمره الله بشكره قال: كيف أشكرك يا رب والشكر نعمة منك، قال: " الآن قد عرفتني وشكرتني إذ عرفت أن الشكر مني نعمة " فقال: يا رب أرني أخفى نعمك علي، قال: " يا داود تنفس " ، فتنفس داود، فقال الله تعالى: " من يحصي هذه النعمة الليل والنهار؟ ". وروى كذلك عن موسى عليه السلام انه قال: كيف أشكرك وأصغر نعمة وضعتها بيدي من نعمك لا يجازي بها عملي كله، فأوحى الله إليه: " يا موسى الآن قد شكرتني " ، وروى عن سهل بن عبد الله أن الشكر الاجتهاد في بذل الطاعة مع اجتناب المعصية في السر والعلانية.
[2.53]
في هذه الآية تذكير لبني إسرائيل بنعمة سابغة تعد أكبر نعمة بسطها الله لهم وأنعم بها عليهم لما فيها من صلاح الدين والدنيا وقوام أمر الفرد والمجتمع، وهي نعمة إنزال التوراة عليهم لتكون لهم هدى ونورا، تنتظم شمل جماعتهم، ويحتكمون اليها في منازعاتهم، ويستمدون منها الرشد والصلاح فيما يتعلق بالمعاش والمعاد، وحقيق أن تكون التوراة أكبر النعم التي أوتيها بنو إسرائيل، إذ لا يعرف في الكتب السماوية مما نزل قبلها أو بعدها ما هو أجمع منها حكما، وأوسع منها علما، وأعم منها نورا، إلا القرآن الذي أنزل الله هدى وذكرا للعالمين، فهيمن على كل ما أنزل قبله، والامتنان بإنزال الكتاب على موسى لهداية قومه ذكر هنا في معرض تعداد النعم المختلفة التي أسبغها الله عليهم لأنه حلقة من حلقات سلسلتها الطويلة، ولم يختلف المفسرون في كون المقصود بالكتاب التوراة الهادية الى أمر الله، والتي تعاقب عدد من النبيين على تجديد إبلاغ رسالتها، والحكم بمضمونها، كما قال تعالى: { إنآ أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا } ، وهي التي جعلتها بنو إسرائيل أعظم مفاخرهم التي يتطاولون بها على سائر الشعوب والأمم، وإنما اختلف أهل التفسير في المراد بالفرقان على مذاهب أنهاها أبو حيان في " البحر " إلى اثني عشر مذهبا، منها: أنه نفس التوراة وإنما أعيد ذكرها باسم آخر اعتبارا لمنشأ التسميتين، فهي كتاب باعتبارها مجموعة مكتوبة، وفرقان باعتبارها فارقة - أي مميزة - بين الحق والباطل، وهو قول الزجاج، واختاره الزمخشري، وبدأ بذكره ابن عطية، وعليه فالعطف للتغاير الحاصل بين مدلول الاسمين وإن كان مسماهما واحدا، واستدل لهذا القول بقول الشاعر:
إلى الملك القرم وابن الهمام
صفحه نامشخص