513

[طه: 87]، وذلك أن هارون عليه السلام أخبرهم بعد ذهاب موسى إلى الميقات بأن تلك الغنائم لا تحل لهم، وأمرهم بإحراقها، فجاء السامري فألقى فيها قبضة من تراب وطئته دابة جبريل عليه السلام عندما جاء إلى موسى ليذهب به الى الميقات، أو عندما جاء إلى موسى ومن معه لينقذهم من شر فرعون وآله؛ بإخبار موسى أن يضرب بعصاه البحر؛ والأول هو الأظهر، وكان السامري يعلم أن في هذه الدابة سرا غيبيا، ولعله استنتج من ذلك أن ما لا مسته تسري فيه الحياة ولو كان جمادا، فألقى بتلك القبضة الترابية في ذلك الذهب المشتغل نارا، فصار عجلا جسدا له خوار، وقيل: إنه هو الذي صنع منه العجل، لأنه كان صانعا، ثم ألقى فيه القبضة الترابية التي بيده، ويشير إلى صنيعه هذا جوابه الذي حكاه الله عنه بقوله:

بصرت بما لم يبصروا به فقبضت قبضة من أثر الرسول فنبذتها وكذلك سولت لي نفسي

[طه: 96].

وكان السامري فيما قيل شابا إسرائيليا أوتي حظا من الذكاء فاستغله في إضلال بني اسرائيل، وقيل: لم يكن إسرائيليا وإنما كان دخيلا فيهم، وأصله من عباد البقر فنزع الى أصله، وقيل: إن سبب اختياره العجل من بين سائر المعبودات أنه كان مع بني اسرائيل لما جاز بهم موسى البحر:

فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يموسى اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة

[الأعراف: 138]، وقد كانت تلك الأصنام تماثيل أبقار، وقد كان السامري قبل انكشاف أمره منافقا يظهر عند موسى ومن معه من المؤمنين الإيمان ويبطن في خفايا نفسه عقيدة وثنية.

قال ابن عاشور: " وإنما اتخذوا العجل تشبها بالكنعانيين الذين دخلوا الى أرضهم - وهم الفينيقيون سكان سواحل بلاد الشام - فإنهم كانوا عبدة أوثان، وكان العجل مقدسا عندهم، وكانوا يمثلون أعظم الآلهة عندهم بصورة إنسان من نحاس له رأس عجل جالس على كرسي مادا ذراعيه كمتناول شيء يحتضنه واكنوا يحمونه بالنار من حفرة تحت كرسيه لا يتفطن لها الناس، فكانوا يقربون إليه القرابين، وربما قربوا له أطفالهم صغارا، فإذا وضع الطفل على ذراعيه اشتوى فظنوا ذلك أمارة قبول القربان، فتبا لجهلهم وما يصنعون، وكان يسمى عندهم " بعلا " وربما سموه " مولوك " وهم أمة سامية لغتها وعوائدها تشبه في الغالب لغة وعوائد العرب، فلما مر بهم بنو اسرائيل قالوا لموسى: { اجعل لنآ إلها كما لهم آلهة } ، فانتهرهم موسى، فلما ذهب للمناجاة واستخلف عليهم هارون استضعفوه وظنوا أن موسى هلك، فاتخذوا العجل الذي صنعوه من ذهب وفضة من حليهم وعبدوه ".

ومراده سبحانه بقوله: { من بعده } بعد ذهابه عنهم للدلائل القائمة على أن موسى عليه السلام كان حيا عندما عبد قومه العجل، والعطف بثم إما للمهلة الزمنية التي كانت بين بداية غيابه والإتخاذ، فإنهم اتخذوه بعدما مضى على غياب موسى عشرون يوما - كما قيل - وإما للمهلة الرتبية، وذلك لفظاعة هذا الأمر بحيث لا تكاد الأذهان تتصوره منهم بعد أن شاهدوا ما شاهدوا من الآيات الداعية إلى رسوخ الإيمان وصدق اليقين.

وقوله: { وأنتم ظالمون } إما حال مؤكدة أريد بها تسفيههم وقطع عذرهم، فإن اتخاذ الأنداد لله سبحانه معلوم بالضرورة أنه ظلم، وإما حال مقيدة أريد بها التنصيص على أن الظلم لم يفارقهم في فترة هذا الاتخاذ، أو أريد به استئصال توهم كون شبهة عرضت لهم في هذا الاتخاذ؛ وأرى أن هذا الوجه لا يختلف عن الذي قبله إلا اختلافا لفظيا.

والعفو لغة إزالة الأثر كما يقال: " عفت الريح أثره " إذا مسحته، واصطلاحا اسقاط عقوبة الجاني وإزالة ما يترتب على جنايته من الآثار المعنوية، وعفو الله عن عباده اسقاطه عقوبتهم في الآخرة بقبول توبتهم وتكفير سيئاتهم، ويطلق على رفع العقوبات الدنيوية كما في قوله:

صفحه نامشخص