512

وعندما ذهب موسى للمعياد انتهز بنوا اسرائيل فرصة غيبوبته نازعين الى ما هم عليه من لؤم الطباع وفساد الفطرة وانحراف الفكر، فألهوا عجلا جسدا له خوار، أخرجه لهم السامري ليضلهم عن سواء الصراط، قائلا لهم:

هذآ إلهكم وإله موسى فنسي

[طه: 88] أي نسى موسى أن هذا هو الإله فلذا ذهب الى الطور لطلب مناجاة الإله، أو نسى السامري بأن هذا مجرد عجل لا يضر ولا ينفع ولا يعطي ولا يمنع، وأن ما جرى على يد موسى عليه السلام من المعجزات العظام أقطع حجة وأصدق برهان بأنه رسول رب العالمين الذي له ملك السماوات والأرض والذي يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل؛ وعلى الأول فجمة " فنسى " من ضمن المحكي عن السامري، وعلى الثاني فهي رد من الله تعالى عليه، ونداء عليه بالسفه والضلالة، وقصة العجل ذكرت هنا عرضا لتذكير يهود المدينة بجرائر أسلافهم، وما قابلوا به نعم الله وآياته من الجحد والكفران، وإنما تفصيلها فيما نزل من قبل بمكة في سورتي الأعراف وطه.

وذكر جماعة من أهل التفسير أنهم كانوا يعدون اليوم ليله ونهاره ليلتين فلما انقضت عشرون يوما، وهي عشرون ليلة وعشرون نهارا زعموا أن موسى أخلفهم وعده فركنوا إلى ما دعاهم إليه السامري من اتخاذ العجل معبودا دون الله تعالى.

و " اتخذ " أصله منتزع من أخذ، وهو بوزن افتعل، فهو إئتخذتم واستثقلت الهمزتان فسهلت الثانية - وهي الأصلية - فانقلبت ياء، فاضطربت الياء في التصريف لعدم قرارها على حال، إذ تأتي ألفا في ياتخذ، وواوا في موتخذ، فأبدلت بحرف جلد ثابت من جنس ما بعدها وهي التاء وأدغمت فيها وأقرت همزة الوصل كما كانت حفاظا على عدم الابتداء بساكن في النطق، وهو يتعدى إلى مفعول، إن كان بمعنى ابتداء صنعه نحو " اتخذ لك سيفا " ، وإلى مفعولين إن كان المقصود إليه وصفا في المتخذ نحو:

واتخذ الله إبراهيم خليلا

[النساء: 125]، وهو هنا بمعنى جعل الذي يقصد به صير، ويحتمل في الآية الوجهان؛ وعلى الثاني فالمفعول الثاني محذوف تقديره إلها.

والعجل هو ولد البقرة، وقد درج كثير من المفسرين على أن تسميته بذلك لأن بني اسرائيل تعجلوا عبادته قبل أن يرجع اليهم موسى من الميقات، وهذا وهم ظاهر، فإن العرب عهدت منهم تسميته بذلك منذ القدم، وليست هذه التسمية مقتبسة من اللغة العبرانية، إذ لم تكن قبائل العرب على اتصال باليهود إلا قليلا منهم كقبيلتي الأوس والخزرج وبعض قبائل اليمن، ومع ذلك لم يكونوا قبل نزول القرآن على علم أحداث بني إسرائيل.

والعجل المذكور صنع مما حمله بنو إسرائيل من حلي المصريين، كما يشير إلى ذلك قولهم:

ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم فقذفناها

صفحه نامشخص