508

[الدخان: 25-28]، والقوم الآخرون هنا هم بنو إسرائيل قطعا لبيان ذلك في سورة الشعراء، وأولى ما فسر القرآن القرآن.

أما خروجهم إلى طور سيناء لتلقي التوراة واستمرارهم سيرهم بعده إلى الأرض المقدسة فقد كان بعد عودهم إلى مصر لينفلهم الله مخلفات فرعون وآله، إذ يستحيل أن يكونوا وارثين لها من غير أن يعودوا إليها.

وفيما ذكرته الآية نعم متعددة ترتبت على فرق البحر فإن الفرق نفسه نعمة جلى إذ جاءت مخالفة لما استقرت عليه العادة وألف عند الناس من سنن الكون، وإنجاؤهم من عدوهم باجتيازهم البحر نعمة عظيمة مقصودة بالفرق، وإغراق عدوهم فيه عليهم نعمتان: أولاهما الأمن من شره، إذ لعله لو بقى حيا لأخذ يتتبع فلولهم، ويدبر لهم المكائد، ويكيل لهم الشرور.

ثانيتهما: شفاء غيظ صدورهم بمهلكه، فإن من شأن المظلوم أن يشعر بارتياح الضمير ولذة معنوية كبرى إذا تلقى ظالمه جزاءه، وقد تحقق ذلك كله بمرأى منهم لتطمئن نفوسهم ويلتذوا بهذا المشهد، مشهد المعجزة الخارقة للعادة التي أجراها الله على يد نبيهم، ومشهد نجاتهم بسبب هذه المعجزة، ومشهد هلاك عدوهم بما كانت به نجاتهم، وهذا كله يستفاد من تذييل الآية بقوله: { وأنتم تنظرون }.

ونسب الإغراق في الآية إلى آل فرعون، مع أن فرعون نفسه كان من الغارقين، كما نصت عليه آيات أخرى، منها قوله تعالى:

حتى إذآ أدركه الغرق

[يونس: 90]، وقوله:

فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم

[القصص: 40]، وذلك إما لأن استحقاق آلة الغرق - وهم له أتباع لا يصدرون إلا عنه في شورهم، ولا ينفذون إلا رغباته في ظلمهم، لأنه رأس الشر ومصدر الظلم - يقضي بأنه أحق به منهم، فإذا ما نص على غرقهم كان ذلك أدل على أنه من الغارقين، وإما لأن آله هم الذين كانوا يباشرون تعذيبهم الجسدي والنفسي، فهم الذين سخروهم للأعمال الشاقة، وسفكوا دماءهم بأيديهم، وذبحوا أبناءهم، واستحيوا نساءهم، فكان إغراق أولئك الآل أشفى لغيظ صدورهم.

وفي هذين الاحتمالين غنى عن دعوى بعضهم أن المراد بالآل نفس فرعون استنادا إلى ما روي عن الحسن البصري أنه كان يقول " اللهم صل على آل محمد " ، ومراده اللهم صل على محمد، فإن في توجيه ذلك - إن صح النقل - احتمال، واذا طرق الدليل الاحتمال سقط به الإستدلال.

صفحه نامشخص