507

واختلف في الباء (بكم)؛ قيل إنها للآلة، ومعنى ذلك أن الفرق حصل بسلوكهم، وعبر عنها بعض المفسرين بالاستعانة، وهو تعبير لا يليق بواجب الأدب مع الله تعالى، فإنه هو الذي أسند إليه الفرق، وهو أجل من أن يستعين بشيء، وإذا عبر عن هذه الباء بأنها للاستعانة إذا أسند الفعل إلى غيره فإن هذا التعبير يجب استبداله بما يتفق مع التأدب أمام الربوبية إذا أسند إليه تعالى، وقيل: هي للسببية فتكون بمعنى اللام إذا ما قيل بجواز تعليل أفعاله تعالى لعدم الفرق بين قولك: فعلت هذا لأجلك، وقولك فعلته بسببك، إذ كان المخاطب هو الباعث على الفعل؛ وعند من يمنع تعليل أفعاله سبحانه فهي للسببية الشبيهة بالسببية الباعثة على الفعل في تربية على مدخولها وكونه هو المقصود به.

وذكر الألوسي أن الدامغاني نقل عن العرب أنهم يقولون: غضبت لزيد، إذا كان الغضب من أجله وهو حي، وغضبت بزيد، إذا غضبت من أجله وهو ميت، وأتبع ذلك الألوسي قول: " ففيه تلويح إلى أن الفرق كان من أجل أسلاف المخاطبين ".

وجوز أن تكون الباء هنا للمعية - ويعبر عنها بالملابسة - ومعنى ذلك أنهم كانوا بمعية الله تعالى عندما فرق البحر لينجوا من عدوهم أي كانكوا محفوفين بنصره مشمولين برعايته، وهو معنى قول موسى عليه السلام الذي حكاه الله عنه:

قال كلا إن معي ربي سيهدين

[الشعراء: 62] واختلف في هذا الفرق فقيل كان خطيا أي من ضفة إلى أخرى، وقيل: كان قوسيا، أي رجعوا إلى الضفة التي خرجوا منها، وكانت بين مدخلهم البحر ومخرجهم من جبال وأوعار لا يخشون بسببها أن يلحق بهم العدو من طريق البر، وهذا الذي اعتمده ابن عطية في تفسيره، وقطب الأئمة في هيميانه وتيسيره، وبما ذكراه يندفع ما قاله الألوسي، وهو أن احتمال الرجوع في طريق الدخول يكاد يكون باطلا لأن الأعداء في أثرهم. وأيد القطب - رحمه الله - القول بأن الفرق كان قوسيا بأنهم من الكثرة بحيث يحتاجون إلى سفن ترجع بهم إلى مصر لو أن الفرق كان خطيا ووصلوا إلى الضفة الثانية مع التئام البحر ورجوعه إلى حاله.

وكلامه هذا يشير إلى أنهم عادوا إلى مصر بعد أن أنقذهم الله تعالى وأهلك عدوهم، وهذا الذي ذهب اليه كثير من أئمة التفسير؛ قال ابن عاشور: " وهذا وهم، فإن بني إسرائيل لم يعودوا إلى مصر البتة بعد خروجهم، كيف والآيات صريحة في أن نزول الشريعة كان بطور سيناء، وأن خروجهم كان ليعطيهم الله الأرض المقدسة التي كتب الله لهم؟ ".

وابن عاشور هو الواهم في هذا التوهيم، فإن القرآن صريح في أن الله تعالى أورث بني إسرائيل ما كان خوله فرعون من قبل من جنات، وعيون، وكنوز، وزروع، ومقام، وهو نص في سورة الشعراء حيث يقول تعالى فيها:

فأخرجناهم من جنات وعيون وكنوز ومقام كريم كذلك وأورثناها بني إسرائيل

[الشعراء: 57-59]، ويقول في سورة الدخان:

كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين

صفحه نامشخص