جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وهي تجري بهم في موج كالجبال
[هود: 42]، وقوله:
ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام
[الشورى: 32]، فالأمواج والسفن الجواري لا تكون كالجبال الشاهقة والأعلام الباسقة، وإنما تقضي البلاغة بمثل هذا التعبير لكمال التصوير وإرادة التأثير " ، وأضاف إلى ذلك من بعد أنه بسط تأويلهم لئلا يتوهموا أنه لم يقل به لعدم اهتدائه إلى توجيهه مثلهم، وأشار فيما بعد إلى عدم أهمية الخلاف مع هؤلاء إذ كانوا يثبتون الآيات الكونية تأييدا للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وسوغ أن تكون الباء في قوله بكم سببية أو للملابسة لا للآلة - كما يقول المتأولون، وذكر ان البيضاوي أشار إلى ذلك كله بقوله: " فلقناه وفصلنا بين بعضه وبعض حتى حصلت فيه مسالك لسلوككم، أو بسبب إنجائكم، أو متلبسا بكم " ، وأضاف ألى ذلك من بعد أن الخلاف منصوص عليه في تفسيري الأصفهاني والبغوي.
ويستفاد مما قاله أنه لا يستبعد صحة مقالة هؤلاء المتأولين ما داموا يحملون هذه الآيات الكونية المتفقة مع سنن الوجود على أن فيها تأييدا للرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وهذا جرى على ما عهد منه من حمله كثيرا من هذه الأخبار الغيبية على ما يتفق مع الأحوال المألوفة للناس وإن أفضي ذلك إلى التكلف الممقوت في حمل ألفاظ القرآن على ما لا تنسجم معه من المعاني، وحسبكم دليلا على بطلان هذا التأويل تعذره إذا ما قسناه على الحالة الطبعية المعهودة للماء إذا خيض فيه فإنه لم يعهد منه انقسامه إلى شطرين كل شطر على جانب الخائضين كالطود العظيم، بل من طبع الماء الإنسياب في الفرج بين أقدام الماشين فيه، وتساوي سطحه من كل جانب، ومما يؤكد بطلان تأويلهم قوله تعالى:
ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا
[طه: 77]، فإنه نص في أن انشقاق الطريق لهم كان بضرب موسى البحر، وأنهم اجتازا مكانا يبسا لا ماء فيه.
هذا، وقد امتلأت كتب التفسير بروايات متعددة متناقضة في وصف قصة نجاة موسى ومن معه، وغرق فرعون وآله، وقد نص ابن عطية وأبو حيان والألوسي في تفاسيرهم على أن هذه الروايات لا تعتضد بشاهد من الكتاب ولا الأحاديث الصحيحة غير أنهم مع ما قالوه لم تسلم تفاسيرهم من شوائبها، ومن ذلك قول أبي حيان: " ولم يختلفوا في أن فرق البحر كان بعدد الأسباط اثني عشر مسلكا " ، وحمل عليه قراءة الزهري " فرقناه " وهي قراءة شاذة تخالفها جميع القراءات العشر، فليست موضعا للاستدلال على أن ابن عاشور حملها في تفسيره على مراعاة شدة الاتصال بين أجزاء المفرق، وذلك يستدعي شدة التفرقة، وإنما اتفقت القراءات العشر على التخفيف لما فيه من النظر إلى عظيم قدرة الله تعالى، فكان ذلك الفرق الشديد خفيفا.
والقرآن لم يذكر طرقا وإنما ذكر طريقا، وكل زيادة على ما جاء فيه غير مسلمة على أنه يبعد في مثل ذلك المقام المدهش والرعب المؤدي إلى الفوضى عادة أن ينحاز كل سبط من بني إسرائيل بنفسه ويسلم طريقا غير طريق الآخرين.
والفرق الفصل إما بين الشيء الواحد حتى يكون شيئين، وإما بين الشيئين المتصلين حتى يكونا منفصلين، وإذا استعمل في الشيء الواحد كان بمعنى الشق، ففرق البحر إذن هو شقه ليتهيأ بين شطريه سبيل للسالكين.
صفحه نامشخص