جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالبحر في هذه الآية وأشباهها النيل وأن غرق فرعون كان فيه. وهذا رأي مرفوض.
وقد كان انفلاق البحر مسببا عن ضربه موسى بالعصى، وذلك يستفاد من قوله عز من قائل:
فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم
[الشعراء: 63]، وتلك إحدى المعجزات التي قرن الله بها دعوة عبده موسى عليه السلام، إذ لم يكن ذلك أمرا طبعيا مألوفا، فما للعصى وانفلاق البحر لولا أن الله أودع فيها من سره الغيبي ما لا تكتنهه عقول البشر، وقد مضت سنة الله في خلقه أن يهيئ ما شاء من الأسباب لما يشاء من المسببات، سواء كانت داخلة في النواميس الكونية المألوفة لدى البشر أم خارجة عنها، ولا يجادل في ذلك إلا المرتابون الذين هم في ريبهم يعمهون.
وقد أجاد الإمام محمد عبده في حديثه عن هذه المعجزة، وإن عهد منه الميل إلى تفسير الحقائق الغيبية بما يتلاءهم مع السنن الكونية المعهودة عند الناس، وقد كرر هنا ما قاله في رسالة التوحيد، وهو أن الخوارق الجائزة عقلا - أي التي ليس فيها اجتماع النقيضين ولا ارتفاعهما - لا مانع من وقوعها بقدرة الله في يد نبي من الأنبياء وأنه يجب أن يؤمن بها على ظاهرها، ووصف المنكرين للمعجزات بأنهم من المتهورين، ونسب إليهم في تأويل هذه القصة أنهم يزعمون بأن عبور بني إسرائيل البحر كان في إبان الجزر، فإن البحر الأحمر رقارق إذا كان الجزر الذي عهد هناك شديدا يتسير للإنسان أن يعبره ماشيا، ولما اتبعهم فرعون بجنوده ورآهم قد عبروا البحر تأثرهم، وكان المد تفيض ثوائبه - وهي المياه التي تجيء عقيب الجزر - فلما نجا بنو إسرائيل كان المد قد طغى وعلا حتى أغرق المصريين فتحقق إنعام الله على بني إسرائيل بأن تم هذا التوفيق لهم والخذلان لعدوهم، وزعموا أن كونه ليس آية لموسى عليه السلام لا ينافي الامتنان به عليهم، فإن نعم الله بغير طريق المعجزات أعم وأكثر - قال الإمام - ولكن يدل على كونه آية له وصف كل فرق منه كالطود العظيم، وإذا تيسر تأويل كل آيات القصة من القرآن، فإنه يتعسر تأويل قوله تعالى في سورة الشعراء:
فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم
وهو الموافق لما في التوراة.
ولخص صاحب المنار قول المؤولين بما حاصله، " أن بني إسرائيل لما عبروا البحر انفرق بهم وكانوا لاستعجالهم واتصال بعضهم ببعض قد جعلوا ذلك الماء الرقراق فرقين عظيمين ممتدين كالطود، وأن هذه الآية تشعر بذلك، فإنه يقول: { وإذ فرقنا بكم البحر } ولم يقل فرقنا لكم البحر والظاهر أن الباء هنا للآلة، كما تقول قطعت بالسكين، وأما قوله تعالى:
فأوحينآ إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق
[الشعراء: 63] فإنه لا ينافي أن الانفلاق كان بهم، كما في آية البقرة لا بالعصى، وذلك أن الذي أوحاه الله تعالى إلى موسى هو أن يخوض البحر ببني إسرائيل وقد عهد أن من كان بيده عصى إذا أراد الخوض في ماء كترعة أو نهر أن يضربه أولا بعصاه، فهذه الآية معبرة عن هذا المعنى، أي ألهمه الله عندما وصل إلى البحر أن يضربه بعصاه ويمشي، ففعل ومشى وراءه بنو إسرائيل بجمعهم الكبير، وأما قوله تعالى: { فكان كل فرق كالطود العظيم } فهو تشبيه معهود مثله في مقام المبالغة، كقوله تعالى:
صفحه نامشخص