جواهر التفسیر
جواهر التفسير
ثانيهما: أن التوراة نصت وعلماء التفسير وغيرهم أطبقوا على أن بني اسرائيل عندما هموا بالخروج من مصر استعاروا من المصريين حليهم وأشار الى ذلك القرآن في قوله:
ولكنا حملنآ أوزارا من زينة القوم
[طه: 87]، ولم يخالف في وقوع ذلك أحد من أهل الكتاب أو المسلمين، وإن اختلفوا في كون ذلك بإذن من موسى عليه السلام إذ وعد بني إسرائيل أن ينفلهم أموال المصريين، أو أنه من تصرف بني إسرائيل أنفسهم من غير أن يعمل بهم موسى عليه السلام، وأنهم خدعوا المصريين بأنهم يريدون هذا الحلي المستعار للاحتفال ببعض أعراسهم. وعلى القول بأنه كان بإذن من موسى فذلك لحكمة أرادها الله وهي أن يكون ذلك أدعى لفرعون وملئه للحاق بهم بقصد الانتقام منهم واسترداد أموالهم فينتهوا إلى ما كتبه الله عليهم من الهلاك.
ومهما يكن فإنه يبعد أن يرضى المصريون بإعارتهم حليهم الثمين مع معرفتهم بأنهم على وشك الطرد والإبعاد، كما يبعد أن يخفى عليهم قرار الطرد الذي اتخذه فرعون ضد بني إسرائيل لأنهم خاصة فرعون ورهطه.
وكان اتجاه موسى ومن معه في خروجهم من مصر بتوجيه من الله سبحانه حتى يتحقق أمره وتتجلى قدرته، فلو أنهم قطعوا الطريق المألوفة وسلكوا شاطئ البحر الأبيض المتوسط - الذي كان يسمى ببحر الروم - لاختصروا المسافة وما كانا يلجأون إلى خوض البحر غير أن هذا الطريق كانت محفوفة بالخطر بالنظر إلى حالهم، فإن قوافل المصريين كانت تتردد فيها جيئة وذهابا، وفي أعمال رسل الله سبحانه ما تقتضيه سنن الحياة من الأخذ بأسباب النجاح والابتعاد عن مظان الفشل ليكونوا أسوة لغيرهم وإن شملتهم عناية الله، ولذلك لجأ موسى بقومه إلى ناحية لم تكن يطرقها السفار فيمم إلى الناحية الجنوبية الشرقية حتى انتهى إلى ساحل البحر الأحمر في مكان يسمى فم الحوريث، وهناك فوجئ بنو اسرائيل بعدوهم القاسي يغشاهم بجنوده الغلاظ فقالوا لموسى:
إنا لمدركون قال كلا إن معي ربي سيهدين
[الشعراء: 61-62]، فتم ما أراده الله من إنجائهم وإهلاك عدوه وعدوهم بأمر لم يؤلف نظيره وهو فرق البحر
فكان كل فرق كالطود العظيم
[الشعراء: 63]، حتى جاوزه بنو إسرائيل إلى الضفة الأخرى ثم أطبعه على أعدائهم الذين كانوا يسرعون خلفهم لأجل الانتقام منهم فاجتمعت لهم من ذلك نعمتان كبريان، إنجاؤهم من العدو والغرق، وإهلاك عدوهم بما كان سببا لتنجيتهم وهم ينظرون، كما ظهر لهم ولغيرهم من آيات الله في ذلك ما يستدعي رسوخ الإيمان وزيادة اليقين.
ويستفاد أن البحر المقصود في هذه الآية ونظائرها هو البحر الأحمر، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: { فأتبعوهم مشرقين } ، وقد سمعت من أحد الفضلاء بمصر أن الخبراء الروس اكتشفوا آثار هذا الفرق في البحر المذكور وتلك من آيات الله التي تقوم بها حجته على الجاحد والمعاند.
صفحه نامشخص