503

ولقد أوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا

[طه: 77]، وقوله:

فدعا ربه أن هؤلاء قوم مجرمون فأسر بعبادي ليلا إنكم متبعون

[الدخان: 22-23]، وهذا هو الذي اقتصر عليه جمهور المفسرين، وخالفهم بعض المتأخرين كالإمام محمد عبده والسيد رشيد رضا، وتبعهما القاسمي في محاسن التأويل، فذهبوا إلى أن ذلك كان بإخراج بل طرد من فرعون بعد أن رأى ما رآه من الآيات التي كادت تحل به وبقومه البوار، وقد عولوا في رأيهم هذا على ما جاء في سفر الخروج من تأريخ التوراة " أن الله تعالى أنبأ موسى بأنه يقسي قلب فرعون فلا يخفف العذاب عن بني اسرائيل ولا يرسلهم مع موسى حتى يريه آياته، وأنه بعد الدعوة زاد ظلما وعتوا فأمر الذين كانوا يسخرون بني إسرائيل في الأعمال الشاقة بأن يزيدوا في القسوة عليهم وأن يمنعوهم التبن الذي كانوا يعطونهم إياه لعمل اللبن، ويكلفوهم أن يجمعوا التبن ويعملوا كل ما كانوا يعملونه من اللبن لا يخفف عنهم منه شيء، فأعطى الله موسى وأخاه هارون الآيات البينات فحاول فرعون معارضتها بسحر السحرة، فلما آمن السحرة برب العالمين رب موسى وهارون لعلمهم أن ما جاء به ليس من السحر وإنما هو تأييد من الله تعالى ورأى ما رأى بعد ذلك من آيات الله لموسى سمح بخروج بني إسرائيل بل طردهم طردا ".

" وقال لهارون وموسى اخرجوا من بين شعبي أنتما وبنو إسرائيل جميعا واذهبوا اعبدوا الرب كما تكلمتم، فلما ارتحلوا وأخبر فرعون أن الشعب قد هرب تغير قلبه عليهم، وقال ماذا فعلنا حين أطلقناهم من خدمتنا؟ فشد مركتبه وأخذ قومه وسعى وراءهم ".

وسوغ العلامة ابن عاشور هذا الرأي تسويغه للرأي الذي قبله، وأجاز أن يكون ندم فرعون على إطلاقهم ناشئا عن إغراء بعض أعوانه بصدهم عن الخروج لما في خروجهم من إضاعة الأعمال التي كانوا يسخرون فيها، أو لأنه لما رآهم سلكوا غير الطريق المألوف لاجتياز مصر إلى الشام ظنهم يرومون الانتشار في بعض مملكته المصرية فخشى شرهم إن هم بعدوا عن مركز ملكه ومجتمع قوته وجنده.

ورأى الجمهور عندي أولى بالصواب لأمرين:

أولهما: موافقته لظواهر الآيات كما أسلفنا على أن من الآيات ما يدل دلالة واضحة بأن فرعون عدنا شاهد آيات الله العظام التي نزلت به وبقومه وما أصابهم من الرجز طلب من موسى عليه السلام أن يدعو ربه برفع الرجز، ووعده بالإيمان له وإرسال بني إسرائيل معه إذا ما تحقق مطلوبه هذا، وكان هذا الوعد معلقا على رفع الرجز فلما تحقق ذلك نكث في عهده وأصر على عناده، والدال على ذلك قوله تعالى:

ولما وقع عليهم الرجز قالوا يموسى ادع لنا ربك بما عهد عندك لئن كشفت عنا الرجز لنؤمنن لك ولنرسلن معك بني إسرآئيل فلما كشفنا عنهم الرجز إلى أجل هم بالغوه إذا هم ينكثون

[الأعراف: 134-135]، ومن الظاهر أن هذا النكث كان في كلا الأمرين، الإيمان به وإرسال بني إسرائيل معه، ولم يكن في أحدهما دون الآخر، ولا مساغ للتعلق بنصوص التوراة المحرفة، مع معارضتها نصوص القرآن الذي صانه الله عن أيدي العابثين على أن التوراة نفسها لا تخلو مما يدل على أن خروج بني إسرائيل من مصر لم يكن بإخراج فرعون إذ عبرت عنه تارة بالهروب.

صفحه نامشخص