جواهر التفسیر
جواهر التفسير
[النمل: 40]، ويكون بالنعمة وبضدها، ومن هنا اختلف في المشار إليه بقوله: { وفي ذلكم } ، قيل: هو المحنة المتمثلة في سوم العذاب وتذبيح الأبناء واستحياء النساء، وقيل: هو نعمة التنجية من ذلك، ورجح الأول بعضهم بكونه أقرب مذكور، والثاني آخرون لأن السياق في الحديث عن التنجية، وذهب بعض اللغويين إلى أن ما كان بالمحنة يأتي فعله مجردا ومزيدا على وزن افتعل، فيقال فيه بلوته وابتليته، وما كان بالنعمة فيأتي فعله مزيدا بالهمزة غالبا ومجردا منها قليلا، فيقال: أبليته في الغالب، وبلوته في النادر، وقد جمع الشاعر اللغتين في قوله:
جزى الله بالإحسان ما فعلا بكم
وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو
[2.50]
تفصيل لما أجمل من قبل في قوله: { وإذ نجيناكم } وعطفه عليه عطف تفصيل على إجمال، وقد سيقت هذه القصة ببيان أوسع في القرآن المكي لأجل مخاطبته قوما لم يكونوا على عهد بالنبوات وليس في أيديهم شيء يتلونه مما أنزل عليهم، فكانت توسعة بيانها من مقتضيات التخاطب مع أمثالهم لما فيها من العبر المختلفة والنذر المتعددة، وبها يزداد المؤمنون الذين يغذيهم القرآن بعلوم النبوات السابقة اتساع أفق ورسوخ قدم وقوة بصيرة.
أما بنو اسرائيل فلم يكونوا بحاجة إلى مثل ذلك البيان الواسع في تحديثهم بها لما استقر عندهم من أخبارها التي يتلونها في الكتاب ويتلقاها الأصاغر منهم عن الأكابر والأخلاف عن الأسلاف، فلذلك اكتفى بهذا القدر لأن المراد به اشعارهم برد النعمة يلامس أبدانهم التي أرهقها سوء العذاب من فرعون وآله.
وقد كانت هذه النتجية على يدي موسى عليه السلام احدى معجزاته الظاهرة للعيان، فهي معجزة في نفسها لأنها كانت من عدو قاهر ومعجزة في كيفيتها لأنها كانت بطريقة لم تعهد من قبل.
وقد كانت غب ما أمرهم الله به من الخروج من مصر حالة استخفاء من فرعون وآله لئلا يحول بينهم وبين بغيتهم من الخروج، وقد كان ذلك أمرا إلهيا أوحاه الله إلى موسى عليه السلام وهو الذي يدل عليه قوله عز من قائل:
وأوحينآ إلى موسى أن أسر بعبادي إنكم متبعون
[الشعراء: 52]، وقوله:
صفحه نامشخص