501

وأسند التذبيح إلى الآل لأنهم يباشرونه وإن كان فرعون هو الآمر به، واستدل به على أن من باشر قتل أحد بأمر ظالم فالمباشر هو المقتول به، وفي هذه المسألة خلاف بين الفقهاء، قيل يقتلان جميعا، هذا بأمره وهذا بمباشرته القتل، وهو المروي عن النخعي، وقيل بالتفصيل فان كان المأمور يعلم أن الآمر ظالم ولم يكن مكرها قتلا معا ، وإلا قتل الآمر دون المأمور، وهو المروي عن مالك والشافعي، وعليه فعلى المأمور نصف الدية، وقيل بتفصيل آخر وهو قتلهما معان ان كان للآمر سلطان على المأمور، وإلا فيقتل المأمور وحده، وهو الذي عليه أصحابنا، وعليه أكثر المالكية، وقيل غير ذلك.

والمراد بالأبناء الأطفال كما يقتضيه الظاهر، وذهب قوم إلى أن المراد به الرجال البالغون، قال ابن عاشور: " وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم، إذ الظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعا للنسل، ويسبون الأمهات استعبادا لهن، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج، وإبقاء الرجال في مثل هذه الحالة أشد من قتلهم، أو لعل تقصيرا ظهر من نساء بني إسرائيل مرضعات الأطفال مربيات الصغار، وكان سببه شغلهن بشؤون أبنائهن، فكان المستعبدون لهن إذا غضبوا من ذلك قتلوا الطفل ".

وعمدة أصحاب هذا القول مقابلة الأبناء بالنساء، وليس في ذلك دليل لما قالوه كما سيأتي إن شاء الله، والقول الأول هو للجمهور وبه نصت التوراة، ويقويه أن أم موسى عندما خشيت عليه القتل أوحى الله إليها أن تجعله في التابوت وأن تلقيه في البحر، وأن امرأة فرعون قالت لآل فرعون عندما التقطوه:

لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا

[القصص: 9]، فلو كان القتل للرجال البلغ لما كان لخوف أم موسى عليه سبب، ولا لقول أمرأة فرعون وجه.

واستحياء النساء طلب حياتهن بالإعراض عن قتلهن، وعد ذلك من سوء العذاب الذي يسومونهم إياه لأن القصد منه سيء للغاية إذ لم يريدوا باستحيائهن تسليمهن من القتل، وإنما أرادوا به هتك أعراضهن وإنزال صنوف المهانة بهن وذلك أبلغ في إيذائهم وإيذائهن من القتل. فلربما تمنى الحر الأبي موته أو موت كرائمه عندما يجدهن معرضات لمثل هذا البلاء، وكم سارعت الحرائر إلى الموت من تلقاء أنفسهن خشية العار واتقاء سوء الأحدوثة.

وعبر عن البنات بالنساء ولم يعبر عن الأبناء بالرجال لأنهم بقتلهم في طور الطفولة حيل بينهم وبين الوصول إلى طور الرجولة، بخلافهن فإن استحياءهن سبب لبلوغهن مبلغ النساء البالغات.

وذهب بعض المفسرين في استحياء النساء مذهبا بعيدا وهو أن المراد به اكتشاف أحيائهن - أي فروجهن - ابتغاء معرفة كونهن حوامل أو غير حوامل، وهو ضعيف، فإن الحمل له قرائن بارزة وعلامات ظاهرة فما الذي يدعوهم إلى اكتشاف الفروج لأجل التفتيش عنه، وليس فيها قرائن الحمل وعلاماته.

والبلاء الاختبار، ومنه قوله تعالى:

ليبلوني أأشكر أم أكفر

صفحه نامشخص