جواهر التفسیر
جواهر التفسير
أقصى تفرعنه وفرط عرامه
وبداية الوجود الإسرائيلي بمصر كانت بدخول يوسف عليه السلام فيها الذي مكن الله له في أرضها حتى أصبح عزيزها، وانضم إليه أبوه يعقوب عليه السلام - وهو إسرائيل - ومعه بنوه، فكانوا نواة للمجتمع الإسرائيلي، بأرض الكنانة، وقد جعل الله في ذريتهم البركة فتناموا حتى بلغ عددهم - فيما قيل - حال خروجهم من مصر نحو ستمائة ألف مع أن مدة بقائهم فيها نحو أربعمائة عام، وقد كانوا بداية الأمر على وفاق مع المصريين غير أن نمو عددهم المتزايد وبقاءهم محافظين على عاداتهم وعباداتهم غير ذائبين في الشعب المصري، كان ذلك كله مصدر قلق للمصريين إذ لم يأمنوا أن يصبحوا في يوم من الأيام أكثر عددا وأقوى عدة مع احتمال ارتباطهم بالشعوب المجاورة التي كانت تثور في وجه فرعون مصر فيخمد ثوراتها بعنف تنتج عنه خسائر فادحة في ماله ورجاله، ومن بين هذه الشعوب الشعوب الكائنة بأطراف جزيرة العرب، وهذا الذي دعا فرعون وآله إلى التفكير في وسائل التخلص منهم ليأمنوا هذا الجانب، فأخذوا يستذلونهم ويكلفونهم من مشاق الأعمال ما لا تقواه نفوسهم وأجسادهم رجاء انقراضهم بقلة نسلهم، وتفشى الأمراض والموت فيهم، ولكن - لأمر أراده الله - كانوا مع ذلك يتكاثرون، ولم يمت في نفوسهم الشعور بالعزة والإباء لاعتقادهم أنهم شعب الله وصفوته من خلقه، وقد كان بقاء هذه القوة المعنوية في نفوسهم شبحا مخيفا يتراءاه آل فرعون لأن انقراض الشعوب أو الأمم إنما يكون بموت معنوياتها، وإذا بقيت المعنويات فلا مطمع في انقراضها رغم التعذيب البدني والتصفية الجسدية.
وما من شك في أن الإذلال الدائم لأي مجتمع أو شعب أخطر وسيلة في إعدام نخوته وإبادة شعوره بالعز والإباء، فإن نسول المستذلين لا تكون إلا ذليلة، وماذا عسى ان تكون حالة جيل يفتح عينيه فيرى أصوله نرزح في قيود الذل وتحت وطأة القهر والاستعباد؟ فهل يكون مثل هذا الجيل إلا أكثر ذلا وأشد خنوعا، وأعظم رضى بكل ما يلقاه من قاهريه ومستذليه؟ غير أن هذه الطريقة تحتاج إلى صبر طويل المدى حتى تعطي نتائجها، ولم يكن فرعون وآله يملكون مثل هذا الصبر، ومن ثم استعجلوا النتيجة بإبادة الذكران من المواليد الإسرائيليين واستبقاء إناثهم للإمعان في الإهانة، وهذا لأن الذكور بهم امتداد حياة الأمم والشعوب والقبائل، وماذا عسى أن تكون حالة الإناث وما لهن من حام للذمار، أو كاشف للعار؟ ولو قدرت لهن ذرية فلن تكون امتدادا لأصولهن، وإنما يكونون امتدادا لآبائهم الآخرين.
هذا ما يدل عليه قوله تعالى: { يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبنآءكم ويستحيون نسآءكم } ، وقد ذهب أكثر المفسرين في تفسيره مذاهب لا تستند على حجة سوى روايات ليس لها من أصل وإن عزيت إلى من عزيت اليه من السلف، منها أن فرعون أخبرته الكهنة عن إظلال زمن مولود إسرائيلي يكون هلاكه على يديه، ومنها أنه رأى في نومه نارا أقبلت من بيت المقدس حتى اشتملت على بيوت مصر فأحرقت القبط وسلمت بني اسرائيل فأولت له رؤياه بما سبق ذكره، ومنها أنه نمي إليه حديث تردده ألسنة بني اسرائيل مفاده أن الله تعالى وعد عبده الخليل ابراهيم عليه السلام أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكا، وأنهم يتطلعون إلى هذا الوعد ليتخلصوا مما هم فيه من النكد.
وهذه الأقوال ظاهرة البطلان؛ أما الأول والثاني فبطلانهما من حيث إن الرؤيا والكهانة لو أفادا علما يقينيا بأمر ما مع تحديد زمنه لبطل إعجاز النبوات بالإخبار عن المغيبات لتساوي الكل في ذلك، وأين النبوة من الكهانة؟ والرؤيا الصادقة وإن كانت في كثير من أحوالها نافذة للاطلاع على بعض الأحوال المستقبلة، فإنها تختلف عن الوحي الظاهري لأنها تأتي مطوية في غلف تختلف رقة وغلظة ولذلك تحتاج إلى تأويل يصدر عن فهم وإدراك عميقين، ويبعد أن يكرم الله بالرؤيا الصادقة أمثال فرعون ممن ران على نفوسهم الكفر واستولى على وجدانهم الضلال، ومن ناحية أخرى فإنه من المستبعد أن يجرأ أحد على فرعون الجبار العنيد ذي البطش الشديد فيخبره بانتهاء ملكه على يدي ناشئ من بني إسرائيل.
وأما القول الثالث فبطلانه من حيث إن أخبار النبوات لم تكن لتؤثر على نفسية فرعون بعدما تكبر وطغى وبلغ به غروره أن قال:
فقال أنا ربكم الأعلى
[النازعات: 24]، وقال:
ما علمت لكم من إله غيري
[القصص: 38]، فإن تأثيرها على نفسه نافذة إلى تصديقها والإيمان بها وأنى لمن لم يؤمن بالله رأسا بل ادعى أنه هو الإله الواحد أن يؤمن أو يتأثر بشيء مما تردده الألسن عن أخبار الأنبياء؟ وهب ذاك صحيحا فإن ذرية إبراهيم لم تكن منحصرة في ولد إسرائيل، فليس تذبيحه لأبناء الإسرائيليين كافيا في الاحتياط عما يحذره من ذلك.
صفحه نامشخص