496

هذا وقد سبق الكلام في (إذ) وذكر جانب من اختلاف النحويين فيها في مثل هذا المقام في تفسير قوله تعالى: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا }. وبناء على ما اخترته هناك من جواز نصبها على المفعولية، فهي هنا معطوفة على مفعول (اذكروا) - وهو (نعمتي) - وهو من باب عطف الشيء على ما يصح إبداله منه، وجعل الزمن نفسه مذكورا مع أن المقصود بالذكر أحداثه لأن ذلك أبلغ في الدلالة على عموم هذه الأحداث، ولا يمنع توسط: { واتقوا يوما... } الآية بين المعطوف والمعطوف عليه من العطف لأنه ليس أجنبيا من كل وجه ولأن المعطوف والمعطوف عليه ليسا كالعامل والمعمول ومع ذلك يفصل بينهما في كثير من الحالات.

والتذكير بالنعمة مقرونا بذكر البلاء ليكون أبلغ وقعا في النفس فإن كل نعمة لا يقدرها قدرها إلا من سلبها، فنعمة الغنى لا يعرف كنهها إلا من يكابد مشقة الفقر، ونعمة الصحة لا يدرك حجمها إلا من يعاني من بلوى المرض، ولذة النعيم لا يدريها إلا من تذوق آلام البؤس، وقد أريد لهؤلاء المخاطبين أن يستحضروا حالة آبائهم وهم يرزحون تحت نير فرعون وآله، ويتململون في قيود المهانة والذلة، ويواجهون في كل يوم صنوفا من البلاء، ويتحملون ضروبا من العذاب، وكيف كانت عناية الله بهم إذ غشيتهم نعمته بقدر ما لم يكونوا يتصورونه فأنقذتهم من كل ما كانوا فيه، وأخرجتهم من الذلة إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن التعب إلى الراحة، ومن البؤس إلى النعيم، والتذكير بهذا الأسلوب أدعى إلى الارعواء عن الغي، والاستجابة إلى الرشد، والقيام بواجب شكر المنعم قدر المستطاع.

وتذكير الأولاد بما أنعم على آبائهم لأنهم امتداد لهم، أو لأنهم مخاطبون باعتبار أنهم جميعا أمه إسرائيلية، وهذا هو الذي ذهب إليه الإمام محمد عبده، وهذا نصف المحكى عنه في المنار: " خاطب الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بما كان لآبائهم لأن الإنعام على أمة بعنوان أنها أمة كذا هو إنعام شامل للأمة من أصابه ذلك الإنعام من أفرادها ومن لم يصبه، ويصح الامتنان به على اللاحقين منهم والسابقين، كما يصح الفخر به منهم أجمعين، كما أن الإنعام على شخص بشيء يختص بعضو من أعضائه كلبوس يلبسه أو لذيذ طعام يطعمه يكون إنعاما على الشخص ولا يقال إنه إنعام على لسان فلان ولا على رأسه أو يده ورجله، ولأن ما وصل الى مجتمع بعنوان ذلك الاجتماع والرابطة التي ربطت أفراده بعضه ببعض يكون له أثر في مجموع الأفراد، لا سيما إن كان الواصل من نقمة أو نعمة مسببا عن عمل الأمة، شرا أو خيرا، ويكون لذلك أثر في الأمة يورثه السلف الخلف ما بقيت الأمة، وأنواع البلاء التي ذكر بها اليهود في القرآن كانت لشعب إسرائيل من حيث هو شعب إسرائيل لأن الجرائم التي كان البلاء عقوبة عليها إنما كانت من مجموع الشعب من حيث هو شعب إسرائيل، ثم إن الله تعالى كان يتوب على الشعب بعد كل بلاء ويفيض عليهم النعم، فتكون العقوبة تربية وتعليما تفيد المعتبرين بها نعمة وسعادة.

لا أقول إن هذا الخطاب إيماء أو إشارة للمخاطبين بأن يستحضروا تأريخ أمتهم الماضي ليتذكروا صنع الله تعالى فيهم فيعتبروا بما أصابهم من نعماء وضراء، وسعادة وشقاء، ويتفكروا فيما حل بهم من بعدهم وما ينتظر أن يحل بهم، وإنما الكلام نص صريح لا يحتاج إلى التأويل، فالروابط الاجتماعية بين أفراد الأمم وجماعاتها كالروابط الحيوية بين أعضاء الشخص الواحد بلا فرق، تعثر الرجل فتخدش أو توثأ، والألم يلم بالشخص كله من حيث هو شخص حي بحياة واحدة تستوي فيها رجله وسائر أعضائه، ولذلك يسعى بجملته لإزالة ألم الرجل ويتوقى أسباب العثار بعد ذلك مستعينا بكل أعضائه وقواه.

والتنجية التخليص من الأذى، وأصلها - عند القرطبي - الإلقاء على نجوة من الأرض، وعند غيره هي الأصل وأخذت منها النجوة لارتفاعها وخلوصها عن سائر الأرض، ولأنها مظنة النجاة.

والآل هم الأهل والعشيرة والأتباع وليس خاصا بذوي القرابة النسبية، والدليل على شموله الأتباع هذه الآية وأمثالها، فإنه مما يدرك بداهة أن الذين كانوا يسومون بني إسرائيل الخسف وينزلون بهم سوء العذاب لم يكونوا خاصة فرعون فحسب بل هم جميع أتباعه، كما أن الذين عوقبوا بالغرق مع فرعون ما كانوا ذوي قرابته وحدهم بل جميع جنوده كما نص عليه قوله تعالى:

فأخذناه وجنوده...

الآية [القصص: 40]، ويدل أيضا على شمول الآل لجميع الأتباع قول النبي صلى الله عليه وسلم:

" آل محمد كل تقي "

وقد أجاد الإمام اللغوي نشوان ابن سعيد الحميري صاحب شمس العلوم حيث قال:

صفحه نامشخص