جواهر التفسیر
جواهر التفسير
وما أحق هذه الأمة التي أنزل عليها القرآن وأكرمت بخاتم رسل الله عليه أفضل الصلاة والسلام أن تعتبر - وهي تتلو كتاب ربها - بكل ما جرى على الأمم من قبلها في حال برها وفجورها، وشكرانها وكفرانها، واجتماعها وتشتتها، فإن سنن الله لا تتبدل:
ولن تجد لسنة الله تبديلا
[الأحزاب: 62]، وما أجدرها بالإطلاع على سنن الاجتماع في الأمم السابقة والمعاصرة لها ذلك لأنها أمة دعوة، وصاحب الدعوة مضطر الى الاستفادة ممن سبقه في هذا المضمار، ومضطر إلى معرفة أحوال الناس ودراسة أوضاعهم ليدرك كيف يدعو بينهم ويصل الى إقناعهم، وحسبنا دليلا على ذلك أن الله تعالى أنزل على نبيه صلى الله عليه وسلم في بداية تأريخ الدعوة بمكة المكرمة والمؤمنون قلة تنشب فيهم مخالب الجاهلية وأظفارها، أنزل عليه نبأ ما يجري في العالم من أحداث آن ذاك وأنبأه بما وصل إليه العراك الطويل بين الدولتين الكبريين السائدتين في العالم المتحضر يومئذ من انتصار دولة فارس الشرقية على دولة الروم الغربية وما سيعقب هذا الانتصار من انتصار معاكس لم يكن أحد يسحب له حسابا أو يفكر فيه، وذلك قوله عز من قائل:
غلبت الروم في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشآء وهو العزيز الرحيم
[الروم: 2-5].
وكفى بهذا شاهدا بعالمية هذا الدين وعالمية الدعوة إليه وأن على رجاله أن لا يكونوا حبساء متقوقعين في محيط ضيق، بل عليهم أن ينطلقوا في أرجاء الأرض ويكتشفوا ما يدور لدى أممها وشعوبها وإلا فما كان الداعي لأن ينزل قرآن - يتلى في الصلوات ما دامت حياة على الأرض - لينبئ آحادا أو عشرات من المؤمنين بنبأ عالم هم بمنأى عنه وليست بينهم وبينه علاقة دينية ولا سياسية مع كونهم قد أهمتهم أنفسهم بما يلقونه من التحدي ويكابدونه من المشاق لولا أن الله أراد أن يهيئ نفوسهم ويعد كواهلهم للاضطلاع برسالة عالمية ومهمة إنسانية لا تختص بشعب دون شعب، ولا أرض دون أخرى.
وقد أدرك السلف الصالح حاجة الدعوة إلى دراسة أوضاع الناس السياسية والاجتماعية، فكانوا لا يألون جهدا في البحث والتنقيب عما يفيدهم ويفيد دعوتهم من ذلك ليكونوا على خبرة مما يأتون ويذرون، وعلى بينة مما كانت تفرزه الأحداث من نتائج يمكن تداركها بوسيلة أو أخرى، أو يمكن استغلالها لمصلحة الحق والدعوة إليه، وحسبي أن أذكر نموذجا حيا من تلك الشخصيات السلفية الفذة التي كان لها دور تأريخي لا تغيره الأحداث ولا يمحوه الزمن، ذلكم هو الإمام العملاق أبوعبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله تعالى عنه الذي لم يمنعه الإرهاب الأموي مع ما ابتلي به من فقر وضعف وعمى أن يشتغل بأحوال الناس ويعنى بقضايا المسلمين، ويكل إلى الحجاج من تلامذته ومريديه أن يلتقوا بإخوانهم المسلمين الوافدين إلى رحاب بيت الله العتيق من أنحاء المعمورة، ويكتشفوا منهم ما يعانونه من مشكلات ويقاسونه من الإرهاب والظلم، أو ما عرفوه بالسماع من أحوال غيرهم، وكان أولئك التلامذة والمريدون يجمعون حصيلة هذه المعلومات بعدما يلتقطونها من الأفواه فينقلونها الى شيخهم الكبير وقائدهم المحنك ليدرس الأحوال كأنه ينظر اليها من كثب في وقت لم تكن تعرف فيه وسيلة من وسائل الإعلام إلا تناقل الألسن للأحداث وسير الركبان بأخبارها ، ولم يكن يألوا جهدا أن يفكر في حل لكل مشكلة وعلاج لكل مشكلة وعلاج لكل معضلة؛ فعندما علم بما كان المسلمون البربر في بلاد المغرب يعانون من قسوة ولاة بني أمية الذين لم تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلا، وما كانوا يفكرون فيه من وسائل التخلص من هذا العسف والظلم أرسل إليهم على الفور أحد رجاله الأفذاذ - سلمة بن سعد رحمه الله - الذي لم يتردد لحظة في قبول أوامره قائده والقيام بما وكله إليه على أحسن وجه حتى نتج عن ذلك قيام تلك الدولة العادلة التي أذاقت أبناء تلك المنطقة لذة العدل بعدما تجرعوا مرارة الظلم.
وبما أن السلف كانوا أغزر فهما لكتاب الله وأكثر دراية بمراشده استفادوا بتلاوتهم إياه من النواحي الاجتماعية كما استفادوا من الناحية الدينية، فقد أثار في نفوسهم الهمة والرغبة في فهم أوضاع البشر والإطلاع على عجائب الأرض والتفكر في سنن الكون، وقد أدى بهم ذلك إلى التضحية بجزء ثمين من وقتهم لأجل هذه الغاية، ومن أمثال هؤلاء الإمام أبويعقوب يوسف بن ابراهيم الوارجلاني الذي تحمل المشاق وصبر على وعثاء السفر حتى توغل في أعماق افريقيا السوداء لأجل الوقوف على خط الاستواء والاستفادة في أقيسة الطول والعرض فكان رائدا في هذا العلم وعلما من أعلامه كما كان علما من أعلام الشريعة.
وقد سبق ابن خلدون صاحب العبر الأوربيين بقرون في دراسة أصول الاجتماع وقواعد العمران، فكانت عبره مرجعا لجميع عشاق هذا العلم.
وقد بلغت عناية السلف بالعلوم الإنسانية أنهم كانوا ينقلون الأحداث والتواريخ بالأسانيد كما ينقلون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعندما ساء فهم الناس للقرآن وأخذا يتلونه للأسجاع والأنغام لا للاستفادة بفهم مراشده ودراسة مقاصده زهدوا في هذه العلوم فصاروا أكثر الناس تخلفا فيها حتى أن من يعنى بها من أبنائهم لا يتلقاها إلا من الغربيين وبحسب المفاهيم التي يعتقدونها والأساليب التي يتبعونها، فلذلك أصبحنا أكثر الناس إفلاسا في تأريخ أنفسنا فضلا عن تأريخ غيرنا.
صفحه نامشخص