491

" إن مثل من يقترف السيئات معتمدا على العفو والشفاعة كمثل من يرتكب الجرائم في ملأ من الناس، وعلى رؤوس الأشهاد متعرضا لقبض الشرطة عليه وسوقه الى المحكة لتحكم عليه بعقوبة الجريمة اعتمادا على أن الأمير أو السلطان قد يعفو عنه بعد الحكم عليه بالعقوبة، ومثل هذا لا يختلف اثنان في حمقه والله تعالى قد بين لنا شرط نفع الأعمال الصالحة في مغفرة الذنوب، وهو اقترانها بالتوبة الصحيحة كقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين:

فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك

الآيات [غافر: 7]، وقوله:

ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا

[الفرقان: 71] وقوله:

وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى

[طه: 82]، وأما الشفاعة فحسبك قوله فيها: { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } مع الجزم بأنه تعالى لا يرضى بالكذب ولا بغيره من الجرائم ومن يأذن تعالى له بالشفاعة لا يعلمهم غيره عز وجل ".

وقبل كلامه هذا سرد ملخص ما قاله الأستاذ الإمام في الذين يستخفون بوعيد الله ويجترئون على محارمه - كالكذب - اتكالا على سعة عفو الله وما يعتقدونه من المكفرات كالاستغفار قبل النوم مائة مرة وقول كذا من الذكر بعد صلاة الصبح كذا وكذا مرة مع نسيان سبب المغفرة الحقيقي وهو التوبة النصوح والرجوع إلى الله تعالى، وجاء في آخر كلامه ما نصه: " وكيف نترك ما جاء عن الله في كتابه وعلى لسان نبيه من النصوص الدالة على أن لعنة الله مسجلة على الكاذبين، وهي بعمومها لا تدع لوهم مجالا في نزول سخط الله بالكاذب، ثم نخترع لأنفسنا تعلة نتوكأ عليها في ارتكاب هذه الجريرة ونسندها إلى سعة عفو الله أو إلى مجمل من القول لا يبينه إلا تلك النصوص القاطعة؟ إن هذا الإ خبال أو تصوير خيال أو فقد للإيمان بصحة تلك النصوص القاطعة، نعوذ بالله ".

ومسألة الشفاعة لأهل الكبائر لها علاقة قوية بمسألة أخرى شغلت ألباب الناس وعنى بها الكاتبون من المتكلمين والمفسرين، وهي مسألة خلف الوعيد، فالقائلون بسقوط عقوبات الكبائر بسبب الشفاعات سوغوا إخلاف الله لوعيده، بل قالوا بوقوع ذلك وعدوه من آثار الكمال الإلهي لأنه دال - عندهم - على سعة الحلم وواسع الإحسان، والقائلون بخلاف ذلك لا يسوغون إخلاف الوعيد كما لا يسوغون إخلاف الوعد، ويعدون وصف الله به جهلا بكماله الذاتي ومقامه الإلهي، ذلك لأن إخلاف الوعيد لا ينفك عن الدلالة إما على البداء والجهل، وإما على الكذب تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

وبيان ذلك أنه تعالى لا يخلوا حال الوعيد إما أن يكون عالما بأنه لن ينجزه وإنما توعد بما توعد به لمجرد الردع والكف عن المخالفة، وهذا هو الكذب بعينه، وهو غير لائق بأصحاب الشيم والإباء من البشر فكيف يليق برب العالمين؟ وإما أن يكون غير عالم بما سيحدث من موجبات الإخلاف وإنما انكشف له من بعد ما كان منطويا عنه من قبل فرأى الإخلاف أولى من الإنفاذ، وهو - كما ترى - يستلزم - لا محالة - الجهل وبدو البدوات - تعالى الله وجل عن ذلك - ولئن ساغ هذا من المخلوق العاجز الجاهل فإنه لا يسوغ بحال من الخلاق العليم الذي وسع كل شيء قدرة، وأحاط بكل شيء علما.

صفحه نامشخص